المرحلة الأولى:
معاهدة الجماعة الأوروبية للفحم والصلب (CECA) :
بعد الدمار الذي أحدثته الحروب، أصبحت المصالحة والسلام والبناء والتعاضد مصيراً مشتركاً
للقارة الأوروبية كانت هنالك بوادر تعاون أوروبي، دون اندماج وهو مجلس أوروبا، عام
1950 كانت الفكرة في إنشاء سوق مشتركة للفحم والصلب، وهذه الفكرة تصب في المصالحة بين
فرنسا وألمانيا من خلال التقدم و الانفتاح على بلدان أُخرى.
في 9 أيار من عام 1950 وهو يوم الإعلان الشهير لروبرت شومان (Robert Schuman)(و هو
وزير الخارجية الفرنسية) و الذي يطلق عليه بـ "إعلان شومان". و ينص على الأتي: "لا
يمكن صنع أوروبا دفعة واحدة، ولا يمكن بناؤها كلها معاً، وإنما سوف تبزغ من خلال إنجازات
ملموسة يمكن أن تخلق تضامنا حقيقياً"؛ "تتطلب الوحدة الأوروبية إزالة التعارض بين فرنسا
وألمانيا"؛ "ولهذا الغرض تقترح الحكومة الفرنسية وضع مجموع الإنتاج الفرنسي- الألماني
من الفحم والصلب تحت سلطة مشتركة وفي منظمة مفتوحة أمام اشتراك بلدان أوروبية أُخرى".
بدأ التفاوض بين 6 بلدان أوروبية هي: فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبلجيكا، وهولندا
ولوكسمبورغ. في 18 نيسان 1951، بعد أقل من عام من إعلان شومان، جرى توقيع معاهدة
الجماعة الأوروبية للفحم والصلب (CECA) والتي كانت في حد ذاتها وعلى المستوى التأسيسي الجنين
الأول الذي سوف يتمخض بعد أربعين أو خمسين سنة عن ولادة الاتحاد الأوروبي.
نصل إلى عام 1957 حيث اتفاقيات روما، في 25 آذار الموقعة في كامبيدوليو: الاتفاق التأسيسي
للجماعة الاقتصادية الأوروبية (CEE)، واتفاق (EURATOM) الخاص بالطاقة الذرية لأهداف
سلمية، والذي جاء في المرتبة الثانية بعد الفشل في إيجاد صيغة تفاهم بين الآراء الأوروبية
المختلفة.
اتفاق الجماعة الاقتصادية الأوروبية
هو الاتفاق الأساسي، هو الأساس الهيكلي للجماعة
الأوروبية القادمة وللاتحاد الأوروبي القادم. تتواجد ثلاث جماعات مختلقة وستكون أساس
الجماعة الأوروبية. لدينا من جهة الجماعة الأوروبية للفحم والصلب بسلطتها العالية،
ولدينا من جهة أخرى الجماعة الاقتصادية الأوروبية، وفي المقام الثالث لدينا معاهدة
(EURATOM) للطاقة الذرية لهدف سلمي.
في الستينيات مع معاهدة الانصهار التي وحدت الجماعات الثلاثة في مؤسسات موحدة تدعى
مجلس موحد ومفوضية موحدة التي كان تأسيسها في الأول من تموز عام 1967 أي بداية مفوضية
جين راي، وكانت هذه المفوضية بالتحديد هي التي تولت أمر الجماعات الأوروبية الثلاث.
تميزت سنوات الستينيات بالصعوبات التطبيقية الأولى للجماعة الاقتصادية الأوروبية، و
التي تمثل بردة الفعل المزعجة لطلب دخول بريطانيا العظمى في الجماعة. تلك هي الصعوبات
التي أدت إلى الأزمة التي تسمى المقعد الفارغ في عام 1965، مع انسحاب الوفود الفرنسية
من المؤسسات الجماعية المختلفة وتم التوصل إلى حل وسط، هي تسوية لوكسمبورج، في كانون
ثاني عام 1966 والتي أقرت عمليا في المسائل الأساسية حق النقض (الفيتو) تقريبا للدول
الأعضاء جميعا.
تأسس في عام 1960 اتحاد السبعة (EFTA)، وهي اتحاد للتجارة الحرة بين سبع بلدان انضمت
إلى الجماعة الأوروبية ما عدا سويسرا التي هي عملياً خارج الأفق الجماعي.
نصل الآن إلى سنوات السبعينيات التي امتازت بالتطور . توجد ثلاث عوامل للتطور، العامل
الأول يتعلق بعدد البلدان التي أصبحت داخل الجماعة الاقتصادية الأوروبية، وهي مسألة
التوسيع. والعامل الثاني هو مشكلة المؤسسات التي تتطور. أما العامل الثالث فيتمثل في
السياسات التي تتوسع وتتطور.
لنبدأ الآن من العامل الأول: التوسيع. في سنوات السبعينيات كان لدينا التوسيع الأول
في تاريخ الاتحاد الأوروبي. في الأول من كانون الثاني 1973 دخلت في الجماعة الاقتصادية
الأوروبية، كما كانت تسمى سابقاً كُلً من بريطانيا، وايرلندا والدنمارك وغابت النرويج،
رغم أنها وقعت معاهدة الانضمام ولكن الاستفتاء لم يصدق على المعاهدة. إن مصير النرويج
غريب ، وقد تكرر نفس الأمر بحذافيره في بدايات سنوات التسعينيات، أولا توقيع اتفاقية
الانضمام إلى الاتحاد، ومرة أخرى لا يوافق الاستفتاء على المعاهدة.
هذه المحطة الأولى لها أهمية كبيرة، وخاصة بالنسبة لبريطانيا، فقد دخلت المملكة المتحدة
بكل خصوصيتها تاريخ الاتحاد الأوروبي. لدى بريطانيا سلوك براجماتي، ، فهي لن تدخل فورا
على سبيل المثال في النظام النقدي الأوروبي (SME)، بل سوف تنتظر بضع سنوات ثم تدخل
فيه. نفس الشيء بما يتعلق بترتيبات التجول الحر للأشخاص و اتفاقات شنجن (Schengen)
.
في سنوات السبعينيات خرجت ثلاث بلدان أوروبية من عهود دكتاتورية متفاوتة الطول. ففي
البرتغال بدأ عهد الديكتاتورية عام 1928؛ وفي اسبانيا انتهت الديكتاتورية عام 1975؛
وحصلت اليونان عام 1974 على الحرية بعد أن عاشت لفترة عشر سنوات نظام العسكر. المعلومة
الأساسية هي أن هذه البلدان فور أن حصلت على الديمقراطية والحرية طرحت مباشرة وبشكل
متزامن وضروري هدف الانضمام إلى الجماعة الأوروبية.
ويمثل هذا معنى تاريخيا كبيرا جداً، وهو دور تاريخي لأوروبا الاتحادية. أن تصادف
بداية تاريخ الاتحاد الأوروبي بداية تاريخ الدول نفسها. أن اليونان دخلت بعد ذلك في
عام 1981، بينما احتاجت اسبانيا والبرتغال إلى وقت أكثر قليلا، فقد دخلتا عام 1986
ولكنهما أصبحتا الآن أساسيتين داخل مسيرة الاندماج الأوروبي.
أن تنظير الدور الأوروبي فيما يتعلق بالدول التي وصلت إلى الديمقراطية بعد سقوط
حائط برلين في كانون الأول من عام 1989، حول أوروبا الجديدة ، وهيكلية عصر جديد. كانت
الفكرة أن دور الاتحاد الأوروبي ربما يكون نقطة جذب لدول حديثة العهد بالديمقراطية
في وسط وشرق أوروبا.
ما زلنا نستعرض تاريخ التكامل الأوروبي للعشر سنوات في السبعينيات. ننظر هذه المرة
إلى هذا التطور من منظور تقوية المؤسسات. إن الأمر الأول الذي يجب إبرازه هو ازدياد
القوة النيابية في البرلمان الأوروبي. ففي عام 1976 اتخذ المجلس الأوروبي قرارا باختيار
أعضاء البرلمان الأوروبي عن طريق التصويت العام المباشر، وكان أول برلمان أوروبي يتكون
بالتصويت الحر المباشر كما هو معروف في حزيران 1979.
إن السوق الكبيرة يمكن انجازها عن طريق إلغاء الرقابة على التجارة الخارجية وهذه ستكون
بالضبط واحدة من العناصر القوية، والتطورات التي تحملنا إلى السوق الموحدة في عام 1992.
المؤسسات: ترتكز أساساً على هيكل رباعي الأضلاع. يتكون من أربع مؤسسات أساسية. لدينا
البرلمان الأوروبي، الذي سيكتسب رويداً رويداً قدرات تشريعية مهمة؛ المجلس وهو الذي
يمثل الحكومات، ولديه سلطة تشريعية أساسية؛ والمفوضية الأوروبية العضو الذي يصون المعاهدات،
والذي يحتكر المبادرة التشريعية، هو حارس إذاً لمصير إنجاز التكامل الأوروبي.
وفي النهاية محكمة العدل، التي تشرف على تطبيق القانون الاتحادي. وبعد هذا لدينا
المؤسسات الجانبية، محكمة المحاسبة التي أصبحت اليوم البنك المركزي الأوروبي، والهيئات
الاستشارية مثل اللجنة الاقتصادية والاجتماعية ولجنة الأقاليم.
لكن الشيء المهم ملاحظته في سنوات السبعينيات أنه إلى جانب المؤسسات رباعية الأضلاع
بدأت وظهرت حقيقة جديدة، والتي هي ليست مؤسسة أيضاً، يجب الانتظار عملياً سنوات الألفين
لكي يكون هناك اعتراف تأسيسي رسمي لهذا الوجود الجديد. يتعلق الأمر بالمجلس الأوروبي،
الذي يجمع بشكل دوري ابتدءاً من عام 1975 رؤساء الدول وحكومات الدول الأعضاء للجماعة
الأوروبية ومن ثم للاتحاد الأوروبي، وهو هيئة غير تشريعية، ولكنه يملك زمام التوجيه
والمبادرة. وهذه هي نقطة رئيسية في تطور المؤسسات في سنوات السبعينيات.
كان لمحكمة العدل دور كبير جداً، وهو صياغة بعض المحاور المركزية في التنظيم الجماعي.
على سبيل المثال مبدأ الفاعلية المباشرة للوائح الاتحادية . وكانت محكمة العدل هي التي
أكدت هذا المبدأ بالحكم الشهير الذي أصدرته في بداية أعوام الستينيات. وأولوية التشريعات
الأوروبية على التشريعات المحلية في الموضوعات الواردة في المعاهدات، هذا أيضا مبدأ
مهم . ولكن أيضاً مبادئ أخرى: مبدأ الاختصاص، ومبدأ التناسب وقد تم استيعابهما فيما
بعد داخل المعاهدات. هذا الدور لا يجوز أبداً نسيانه، ويجب بدلاً من ذلك إبرازه كواحد
من العوامل التي تزيد قوة المؤسسات في الاتحاد الأوروبي.
ما زلنا نستعرض تاريخ التكامل الأوروبي في عقد السبعينيات. رأينا أن التوسيع هو أول
عوامل التطور، ورأينا تعزيز قوة المؤسسات، وبدايات البرلمان الأوروبي المنتخب بتصويت
عام ومباشر، الذي سيأخذ من بعد سلطات مهمة جداً في مجال سلطة الموازنة عامة ومن ثم
في المجال التشريعي.
يجب أن نتحدث الآن عن ثالث عامل من عوامل التطور الذي يتمثل بعيدا عن السوق في اختصاصات
وسياسات جديدة. وفي نفس الوقت نكرر مرة أخرى أيضاً أن المراحل التي يجب استعراضها للوصول
إلى تنفيذ كامل للسوق الموحدة ما تزال طويلة، ولابد أن نصل إلى عام 1992 حتى نلمس حركة
حقيقية للتجوال الحر للخدمات ورؤوس الأموال والأشخاص ومن أجل الحصول على سياسات حقيقية
خاصة بالتنافس والضرائب والتقريب بين التشريعات. ولكن توجد في سنوات السبعينيات ناحية
جديدة في السياسة الاقتصادية التي أخذت الأهمية الأكبر، وهي ناحية السياسة النقدية.
في بداية سنوات السبعينيات وبالتحديد في 15 آب من عام 1971، جاء الإعلان الشهير للرئيس
الأميركي نيكسون، للتخلي عن عملية تحويل الدولار إلى الذهب: وبهذا انتهى نظام المبادلة
السابقة، التي أدخلها ببريتون وودز (Bretton Woods)، مع نهاية الحرب العالمية الثانية
ووصلنا إلى نموذج تعويم نقدي حر. و من الواضح أن هذا النموذج بوجود الأزمات الضخمة،
وأزمات الطاقة وهكذا دواليك لسنين السبعينيات كان عائقا كبيرا لتطور سوق موحدة حقيقية
ترتكز على تقاسم السياسة الاقتصادية بين الدول الأعضاء. ولهذا كانت هناك محاولات جزئية
في البداية مثل الثعبان النقدي عامي 1973-1974، لكن نقطة التحول جاءت عام 1978 بمبادرة
قوية لقائدين أوروبيين، فاليري جيسكار دي ستان، رئيس الجمهورية الفرنسية، ومن جهة أخرى
هيلموت شميث مستشار الدولة في ألمانيا الغربية. لقد اقترحا على الدول الأوروبية بدء
نظام نقدي أوروبي EMC) (يتميز بتقييد قوي لتعويم سعر الصرف بين العملات الأوروبية.
انطلق عن النظام النقدي الأوروبي آلية تحديد أسعار الصرف الأوروبية ، وكان النظام الذي
قدمته الجماعة الأوروبية في آذار 1979 ، كجزء من النظام النقدي الأوروبي ، للحد من
التقلبات في أسعار الصرف وتحقيق الاستقرار النقدي في أوروبا ، في إطار التحضير للاتحاد
الاقتصادي والنقدي و إدخال عملة موحدة ، اليورو ، التي جرت في 1 يناير 1999.
إن وحدة النقد الأوروبية هي سلة عملات الدول الأوروبية الأعضاء ، و كانت تستخدمها كوحدة
حسابية قبل أن يحل محلها اليورو في 1 يناير 1999 . حلت وحدة النقد الأوروبية محل الوحدة
الحسابية الأوروبية في 13 آذار عام 1979. حاولت آلية تحديد أسعار الصرف الأوروبية التقليل
من تقلبات العملات بين الدول الأعضاء و وحدة النقد الأوروبية. استخدمت وحدة النقد الأوروبية
في بعض المعاملات المالية الدولية حيث كانت للأوراق المالية الموحدة للنقد طريقا ً
فر للمستثمرين الفرصة لتنويع النقد الأجنبي دون الاعتماد على عملة بلد واحد.
كما أن سنوات السبعينيات هي سنوات السياسات الجديدة. من دون الحاجة إلى تغيير المعاهدة،
يستطيع المجلس إدخال سياسات جديدة، و الثلاث الأكثر أهمية، واحدة منها هي سياسة البحث
والتطور التكنولوجي؛ وسياسة البيئة وفي النهاية، سياسة الاتحاد الاقتصادي والاجتماعي.
اندمجت هذه السياسات بعد ذلك على التوالي ابتدءاً من القانون الأوروبي الموحد.
كانت الجماعة الأوروبية في عام 1979 تتشكل من 9 بلدان: 6 أعضاء مؤسسون مع: الدانمرك
وايرلندا والمملكة المتحدة التي انضمت في عام 1972 كان متوقعاً من الاتفاقيات التأسيسية
للجماعة الاقتصادية الأوروبية التي جرى توقيعها في روما في 25 آذار لعام 1957، من بين
مختلف التدابير، تلك المتعلقة بالانتخاب بتصويت عام ومباشر للبرلمان الأوروبي، لكن
هذا الإجراء لم يطبق لكل هذه الفترة من الوقت، أي من عام 1957 إلى عام 1979. لم يطبق
لكون الحكومات لم تصل إلى اتفاق بهذا الشأن.
جرت الانتخابات في البرلمان الأوروبي لأول مرة في حزيران عام 1979، بمشاركة المواطنين
والمواطنات للبلدان التسع أعضاء المجموعة الأوروبية: فرنسا، وألمانيا، وايطاليا، وبلجيكا،
وهولندا، ولوكسمبورغ، وايرلندا، والمملكة المتحدة والدنمرك.
ولد البرلمان الأوروبي، المدعوم من الديمقراطية الشرعية المتأتية من التصويت، في 1979
وأخذ على عاتقه المهمات والسلطات التي كانت لذاك البرلمان غير المنتخب. نجد في البرلمان
الأوروبي الأول المنتخب شخصيات أوروبية من الطراز الأول، يكفي أن نذكر فيلي برانت لألمانيا،
أو ليو تيندمانس لبلجيكا، أو التييرو سبينيللي لايطاليا. بشكل خاص كان التييرو سبينيللي
الشخصية الفذة في الانتخابات الأولى المباشرة للبرلمان الأوروبي، فقد أراد أن يشارك
في تلك الفكرة المنسوبة إلى الاتحاديين والتي تقول إن الجماعة الأوروبية يجب أن ترتكز
على مبدأ الديمقراطية، وكان التيرو سبينيللي، بشكل ما، بطل الدورة التشريعية الأولى
للبرلمان الأوروبي، التي ابتدأت في عام 1979. ينقسم البرلمان الأوروبي كما تعلمون،
إلى مجموعات سياسية وتتسابق جميع المجموعات السياسية على نشاطات البرلمان المنتخب.
انتخب البرلمان الأوروبي الأول رئيسه، لأول مرة، وهي فرنسية، وكانت مشحونة أيضاً بالتاريخ
وبالعاطفة، سيمون فييل (Simone Veil)، وكانت أسيرة في معسكرات النازية. رأست سيمون
فييل لأول سنتين ونصف البرلمان الأوروبي المنتخب بتصويت شامل. في نهاية عام 1979، رفض
البرلمان الأوروبي في تحرك ثوري وتمردي في مواجهة المجلس الميزانية التي قدمت له، واعتبر
البرلمان الأوروبي أن الميزانية لا تتطابق مع حاجيات الجماعة الأوروبية في تلك الفترة،
والمتعلقة خصوصاً بالمناطق الأكثر فقراً للجماعة نفسها.
الدورة التشريعية الأولى للبرلمان الأوروبي، المنتخب بتصويت عام ومباشر. الدورة التشريعية
التي بدأت في 1979 وانتهت في 1984، مع تلك المبادرة الكبيرة، والتي سوف نتحدث عنها
الآن، وتتمثل في "مشروع معاهدة إنشاء الاتحاد الأوروبي" وتعتبر إلى حد ما الأب الشرعي
للدستور الأوروبي.
في مجرى الخمس سنوات هذه التي تغطي جزءا مهما من تاريخ أوروبا، و كذلك أيضاً من تاريخ
العالم، تستطيع أن ترى بعض الأحداث ذات الأهمية. الأول هو المرتبط بكون الجماعة الأوروبية
وصلت عام 1979 منهكة قليلاً، والسوق الداخلية، أي تلك المساحة التي يجب أن تشيع وتتجول
داخلها بحرية الثروات، والأشخاص، والخدمات ورؤوس الأموال، التي لم تكن قد تحققت بعد،
وتحديدا كانت أوروبا تظهر في ذاك الوقت.
إذا كانت هناك حاجة متزامنة لإطلاق عملية التكامل الأوروبي ولجعل الاقتصاد الأوروبي
تنافسياً أكثر. وحول هذه النقطة جذب البرلمان الأوروبي انتباه الرأي عام، وانتباه الحكومات،
أن تحقيق السوق والمنافسة الاقتصادية الأوروبية يمكن أن يتم فقط بتقوية النظام المؤسسي
وبالتالي السماح للجماعة الأوروبية أن تقرر على قاعدة رضا المواطنين. وبالتالي يقرر
البرلمان الأوروبي على أساس هذه الاعتبارات أن يحيي عملية إصلاح المؤسسات الأوروبية،
باستلهام الأب الكبير لأوروبا وحثه الدائم، وهو التييرو سبينيللي، والذي قرر صياغة
ما يمكن أن يعتبر الدستور الأوروبي، ولكنه لم يأخذ هذا الاسم عند الانتهاء من العمل
فيه عام 1984، وإنما أخذ اسم معاهدة إنشاء الاتحاد الأوروبي. العنصر الثاني المهم في
هذه الفترة من التاريخ هو أنه بشكل ما بدأت تتفاقم وتتعمق التوترات بين الشرق والغرب
في العالم، أي بين الكتلة السوفيتية والتحالف الأطلسي الكبير بين الولايات المتحدة
وأوروبا الغربية. وفي هذه الفترة انطلق نقاش كثيف حول طريقة تعزيز قدرات رد فعل الكتلة
الغربية على الكتلة الشرقية، هذا النقاش والجدل الكثيف انقسمت حوله البلدان الغربية
والقوى السياسية المؤيدة لنشر الصواريخ الأوروبية، أي لمسألة نصب الصواريخ برؤوس نووية
في أوروبا الغربية لمواجهة محتملة لهجوم محتمل من الاتحاد السوفيتي.
أوضح هذا التوتر جلياً ناحية مهمة، وهي قدرة أوروبا أن تحدد نوعاً من الاستقلالية بالنسبة
للولايات المتحدة، فلها إستراتجيتها الخاصة ومصلحتها داخل العالم الذي يتجه للتغيير.
لقد كان البرلمان الأوروبي هو المنبر الكبير الذي استضاف هذا النقاش وغيره من النقاشات
التي تم الإشارة إليها، وتدخل فيها رؤساء سياسيون، مثل فرنسوا ميتران رئيس الجمهورية
الفرنسية لاستعجال الفائدة والحصول على قبول الرأي عام، في مواضيع كبيرة تهم العالم
وأوروبا. اختتمت الدورة التشريعية في عام 1984 بالموافقة على مشروع سبينيللي، ولكن
اختتمت أيضاً بحدث آخر مهم، وهو المتصل بانضمام اليونان أولاً إلى الجماعة الأوروبية
عام 1981، بعد أن خرجت من حكم العسكريين، وبعد ذلك انضمام اسبانيا الخارجة من نظام
فرانكو والبرتغال الخارجة من نظام سالازار. إن الديمقراطية الأوروبية تتسع وتقوى.
ألمحنا في العرض الأول إلى كون الجماعة الأوروبية، التي كانت مكونة في عام 1980 من
9 بلدان، بدأت تتسع صوب المنطقة المتوسطية. البلد الجديد الأول الذي دخل هو اليونان،
الذي تخلص من نظام العقداء. وصل العسكريون إلى الحكم بانقلاب عسكري في السنوات السابقة،
وفرضوا نظامهم الدكتاتوري لبعض السنوات. بعد سقوط نظام العقداء، والذي سقط أيضاً بفضل
ضغط الرأي العام الدولي، وخاصةً بفضل ضغط أوروبا التي كانت قد قررت إيقاف علاقاتها
السياسية، والدبلوماسية، والاقتصادية، والثقافية والاجتماعية مع نظام العقداء. (لنتذكر
في هذا الخضم أن اليونان هي مهد الديمقراطية في أوروبا، حيث أن كلمة "ديمقراطية" تشتق
من اللغة اليونانية، بمعنى سلطة الشعب) دخلت اليونان في الجماعة الأوروبية في الأول
من كانون الثاني لعام 1981. ألا أن دخول اليونان إلى الجماعة وهو بلد صغير بالقياس
إلى البلدان الكبيرة، كان يستوجب تأكيد مُعطى أكثر قوة من قبل الجماعة الأوروبية لعلاقاته
مع المنطقة المتوسطية وبخاصةً مع أطراف الجماعة الأوروبية الجنوبية، الأقل قوةً من
وجهة النظر الاقتصادية.
تبعا ً لذلك نرى من الضروري أن تضع الجماعة الأوروبية مخططات لبرامج مخصصة لهذه المناطق
كي تتجاوز الهوة، أن تتجاوز البعد عن اقتصاديات شمال أوروبا. في هذا الإطار نشأت البرامج
التكاملية المتوسطية، التي بموجبها حصلت ايطاليا على مساهمات جوهرية، وقويت أيضاً السياسة
الإقليمية للجماعة الأوروبية. في نفس هذه الفترة من الوقت يطلق البرلمان الأوروبي،
كما ألمحنا في العرض السابق، هذه العملية الكبيرة ذات الطابع التأسيسي وتلك هي "مشروع
معاهدة تأسيس الاتحاد الأوروبي". أطلقه سبينيللي، في البرلمان الأوروبي، وبالتحديد
ضمن المبادرة التي أخذت اسم "نادي التمساح"، وهو اسم المطعم الذي عقد فيه النواب اجتماعهم
الذي قرروا فيه مساندة مبادرة سبينيللي واختتم بعد عمل طويل، بمشروع نجد اليوم عناصره
الأساسية في الدستور الأوروبي.
تتناول هذه العناصر تقوية دور البرلمان، وتقوية المفوضية وفوق ذلك توسيع المهام،
التي لم تعد بعد في أيادي الدول الوطنية، وإنما أصبحت مهام الاتحاد الأوروبي. من كان
هو التييرو سبينيللي؟ كان واحدا من أباء أوروبا، سوياً مع دي جاسبيري، وسباك، وايديناور،
وشومان وجان مونيه. كان سبينيللي شاباً شيوعياً، وكان قد خرج من الحزب الشيوعي، بل
كان قد طرد من الحزب الشيوعي، لأنه كان ضد النظام السوفيتي، وعندما أرسل للإقامة الجبرية
في فنتوتين (Ventotene) ، صاغ مانفستو فانتوتين، الذي كان يرتكز على فكرة تقول إن الطريقة
الوحيدة لإنشاء مساحة من السلام في أوروبا هو الذهاب إلى ابعد من الحدود الوطنية، وإنشاء
اتحاد أوروبي كبير. إن "مشروع معاهدة تأسيس الاتحاد الأوروبي" الذي تحدثنا عنه حتى
الآن يعد الانجاز العملي الكبير لسبينيللي في حياته.
في منتصف سنوات السبعينيات كانت الجماعة الأوروبية تعيش فترة مكثفة من المناقشات والمبادرات
وخطوات التقدم إلى الأمام. وبتحريض من مشروع سبينيللي، وبدافع من البرلمان الأوروبي،
قررت الجماعة الأوروبية أخيراً إطلاق ذاك الهدف الذي كان قد أشار إليه الآباء المؤسسون
لاتفاقيات روما والدفع في اتجاه انجازه، وهو إنشاء مساحة كبيرة للتبادل الحر، يمكن
أن يتجول بداخلها في حرية الأشخاص، والممتلكات، والخدمات، ورؤوس الأموال.
لتحقيق هذا المشروع، والذي لم يكن ممكنا تحقيقه في السنوات السابقة، تصل شخصية فرنسية
على رأس المفوضية الأوروبية. كانت الجماعة الأوروبية قد ولدت بفضل أفكار فرنسي كبير
آخر وهو جان مونيه، ثم وصل على رأس المفوضية الأوروبية فرنسي آخر هو جاك ديلور. يمكننا
القول إنه شخص مرتبط بالإدارة، ليس سياسياً، تقنياً وخبيراً، ولكنه رجل يتمتع برؤية
كبيرة، متميز بميزة نموذجية للفرنسيين، وهي أن لديه القدرة أن يبني تفكيرا يتصف بالتماسك
وقوة المنطق. عندما وصل ديلور إلى رئاسة المفوضية الأوروبية فهم أن الطريقة الوحيدة
للوصول إلى انجاز هدف تحقيق السوق المشتركة، والسوق الموحدة، هو أن يتصرف على أساس
المبادئ الثلاث التي ميزت تاريخ الجماعة الأوروبية في كل هذه السنوات. الأول هو الحاجة
إلى صياغة برنامج متماسك. الثاني هو الحاجة إلى تثبيت جدول زمني من أجل انجاز هذا البرنامج
والثالث هو أن هذا البرنامج يمكن تحقيقه فقط من خلال منهج.
فهم ديلور في ذلك الوقت أنه من أجل إنشاء هذه المساحة الكبيرة التي تسمح بداخلها بتجول
الأشخاص، والثروات، والخدمات ورؤوس الأموال، نحتاج أن نهتم تحديدا ببرنامج تتوافر له
إجراءات تشريعية قادرة على هدم الحدود. وبحاجة إلى تثبيت ميعاد، والأجل الذي جرى تثبيته
من قبل ديلور هو عام 1992، أول من كانون الثاني عام 1992. كان العنصر الثالث هو تغيير
عمل المؤسسات في المواضع التي كانت عاجزة فيه عن تنفيذ البرنامج، حيث برهنت تلك المؤسسات
على أنها غير قادرة على انجاز هذا البرنامج، وكان هذا يعني إدخال التصويت بالأغلبية
في المجلس، وكان يعني تقوية سلطات البرلمان الأوروبي وكذلك تقوية دور المفوضية.
كل هذا جرى نقاشه وجرى بحثه وتمحيصه والتفاوض عليه في السنوات الأولى لرئاسة ديلور
ومن ثم وجد ترجمة واضحة في القانون الأوروبي الموحد، والذي تمت الموافقة عليه مع نهاية
عام 1985. ومن ثم أصبح ساري المفعول في تموز عام 1987، سامحاً بذلك بانجاز السوق الموحدة،
لهذه المساحة الكبيرة من دون حدود، قبل الأول من كانون الثاني عام 1992. لم يقتصر ديلور
على هذا، لأن ديلور بالضبط كان رجلا يتمتع برؤية كبيرة، لكنه فهم أن السوق ليس هو الشيء
الذي يمكن أن يولع به المواطنون والمواطنات، كما يقول ديلور نفسه، وبالتالي يرفق بانجاز
السوق التلميح إلى مشاريع كبيرة من نوع اقتصادي، كي يسمح الاقتصاد الأوروبي بالتطور
بشكل أكثر تنافسية مقارنة بالمناطق الأخرى من العالم، وبشكل خاص في الولايات المتحدة
وفي اليابان.
لكنه بطريقة أو بأخرى استأنف سلسلة من النشاطات، والبرامج، والمشاريع، خططت لها المفوضيات
السابقة، فحقق بذلك سلسلة من الخيارات المهمة في مجالات أخرى من عمل الجماعة ، على
سبيل المثال: الثقافة، والبيئة، والعلاقات مع بلدان عالم الثالث مثل البلدان المتوسطية؛
وشيء آخر مهم، إطلاق حوار بين الديانات والثقافات، موضوع حساس جداً، ومن أجله نحن نعلم
جميعاً أن دور الاتحاد الأوروبي قد أصبح أساسياً لإنشاء مساحة حرية وسلام ليس فقط في
القارة الأوروبية، ولكن أيضاً مع بلدان منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.
مع سقوط الأنظمة الاستبدادية في اسبانيا والبرتغال،بقيت الدكتاتورية في السلطة أربعين
عاما، بسقوط هذين النظامين الدكتاتوريين أصبحت اسبانيا والبرتغال بلدين يعودان إلى
العائلة الأوروبية الكبيرة، ومن ثم فإن العمل الأساسي الأول للحكومتين الجديدتين الديمقراطيتين،
الاسبانية والبرتغالية.
من الطبيعي أن يطلبا من بلدان الجماعة الأوروبية قبولهما في إطار الجماعة نفسها. بعدها
بدأت مفاوضات، لم تكن سهلة في بعض الأحيان، عندما تبدأ مناقشة المسائل الاقتصادية تحدث
بعض حالات التوتر، وعلى سبيل المثال، التوترات المتعلقة بالإنتاج الزراعي، فمثلاً اسبانيا
والبرتغال يمكنهما الدخول في منافسة مع الإنتاج الزراعي لفرنسا أو لايطاليا، ولكن في
ختام هذه المناقشات يتم التوصل إلى اتفاق .
هكذا بعد أن كانت الجماعة الأوروبية تتكون من 9 بلدان، بل 10 بلدان لأن اليونان كانت
قد انضمت بالفعل، أصبحت تضم مع اسبانيا والبرتغال، 12 بلدا في منتصف سنوات الثمانينيات،
أي أن الجماعة الأوروبية توسعت نحو اسبانيا ونحو كل شبه جزيرة أيبيريا، وبالتالي وصلت
إلى 12 بلداً في أول من كانون الثاني 1986. إن وجود شبه جزيرة أيبيريا في الجماعة الأوروبية
أنتج سلسلة من العوامل المهمة.
هذه السلسلة من العوامل تضم العديد من العوامل , الأول هو تقوية الثقافة اللاتينية
في الجماعة الأوروبية، لأنه إلى جانب ايطاليا، وفرنسا، دخل الجماعة الأوروبية بلدان
مشحونان بالتاريخ المرتبط بتطور أوروبا. في الموضع الثاني نجد أن اسبانيا والبرتغال،
بلدان لهما مساحة واسعة يشهدان نموا نسبيا أو على طريق النمو. إذاً فوجود اسبانيا والبرتغال،
إلى جانب المشاكل المعروفة في المناطق الجنوبية الايطالية وتلك اليونانية، هذا الوجود
يجعل من المهم، والحتمي، والضروري، تعزيز تعاون البلدان الأكثر غنى وبالتالي دعم إجراءات
الدعم للمناطق التي تعاني الصعوبات ومن ثم تقوية السياسة الإقليمية والسياسة الاجتماعية
خاصةً.
العنصر الثالث المهم لوصول شبه جزيرة أيبيريا للقارة هو أن البرتغال تحمل معها العلاقات
مع المستعمرات السابقة في أفريقيا وتحمل اسبانيا معها العلاقات مع البرازيل، والعلاقات
مع قارة أميركا اللاتينية كلها. إذاً كل هذا يثري الجماعة الأوروبية ليس فقط لأنها
تزداد لغتين، اللغة الاسبانية والبرتغالية، ولكن لأنه يزيد ويثري ويقوي الثقافة الأوروبية.
هذا يبرهن على أن أي توسيع للاتحاد الأوروبي وللجماعة يحمل من المميزات الإيجابية أكثر
مما يحمل من السلبيات، لأنه يفتح الأسواق جديدة، فيتجول مواطنون أكثر، وتنتشر الحرف
والمهن، وتتنقل الثروات، والمنتجات. كل هذا يحول أوروبا إلى مساحة مهمة في العالم يمكن
أن تتحاور مع أطراف أخرى من العالم ويستوجب أيضاً وصول مجموعة من الرؤساء على المستوى
الأوروبي.
القانون الأوروبي الموحد الذي يسمح عن طريق اجراءات لها طابع تشريعي ومن خلال تغيير
الطريقة التي يتخذ بها كلا من المجلس والبرلمان والمفوضية القرارات، بشكل خاص بتحقيق
سوق كبيرة تنتقل داخلها بحرية الثروات، والخدمات، ورؤوس الأموال والأشخاص، دخل هذا
القانون حيز التنفيذ في تموز 1987.
دخل القانون الأوروبي الموحد حيز التنفيذ في عام 1987، وقد أضحت هذه الجماعة تتكون
من 12 بلد، بعد انضمام اسبانيا والبرتغال أيضاً، داخل القانون الموحد هذه الجماعة،
وعلى مسرح الجماعة، سامحاً لها بتبني المهمة الضرورية لمنافسة أكبر في التصنيع الأوروبي
وفي النظام الاقتصادي الأوروبي، أيضاً بفضل كون هذا السوق، يحرض فيه التنافس على الاستثمار،
ويحث على التصنيع، ويدفع الاقتصاد ليس فقط نحو المخاطرة وإنما لاستثمار أفضل في مجال
البحث ومن أجل التحديث، ومن أجل وفرة في فرص العمل.
بعد أن دخل القانون الموحد حيز التنفيذ في 1987، وأمكن الحديث عن السوق الموحدة، أنه
يمكن تحقيق اتحاد اقتصادي ونقدي يترافق ويسير جنبا إلى جنب مع السوق الموحدة. يمكن
القول إذاً إن اتحاداً اقتصادياً ونقدياً هو تجربة عشناها في جميع بلداننا، يمكن التفكير
بسوق موحدة بشرط أن يجري داخل هذا السوق التعامل في ورقة نقدية موحدة.
الفكرة كانت أقدم بكثير من القانون الموحد، وتعود إلى نهاية الخمسينيات، وهي الفكرة
التي وضعت كهدف للجماعة الأوروبية لإصدار عملة نقدية موحدة. بعد شهور قليلة من دخول
القانون الموحد قيد التنفيذ، أطلق أولا وزراء المالية، ثم شخصيات كبيرة، مثل فاليري
جيسكار ديستان أو جوليو انديريوتي أو شخصيات أخرى من بلدان أوروبية أخرى، جميع هؤلاء
الأشخاص أطلقوا فكرة البدء بنقاش جديد بين الحكومات لانجاز الوحدة الاقتصادية والنقدية.
هذه المفاوضات التي كان لها طبيعة اقتصادية مميزة في الجوهر، لكن مع هدف سياسي، في
فترة زمنية كان قد بدأ فيها من الجانب الآخر من الستار الحديدي، في البلدان الخاضعة
للإمبريالية السوفيتية، بدأنا نشعر بشكل ما بعدة عوامل توحي بتغيير ما.
وصلت من هذه البلدان بشكل ما رسائل قوية إلى بلدان أوروبا الغربية، من هذه الشعوب،
التي فهمت أنه قد حان الوقت ليدخلوا في الديمقراطية الأوروبية. في اللحظة التي قررت
فيها الحكومات أن تتعاون لإنجاز الاتحاد الاقتصادي والنقدي، تحطمت بشكل تدريجي الحواجز
التي تفصل أوروبا الغربية عن أوروبا الشرقية. وصلنا إلى اللحظة الكبيرة في صيف ومن
ثم خريف 1989، عندما اجتازت آلاف السيارات لمواطنين من أوروبا الشرقية عبر المجر والنمسا
ووصلت إلى أوروبا الغربية، وعندما سقط نهائياً حائط برلين في 9 من تشرين أول عام 1989.
ومع سقوط حائط برلين بدأت مرحلة أخرى من تاريخ التكامل الأوروبي، وأصبح مفهوما
أنه يجب أن يواكب الاتحاد الاقتصادي والنقدي اتحاد سياسي أيضا، وهو الهدف الذي فكر
فيه وعمل من أجله قبلها بسنوات التييرو سبينيللي. بعدئذ تقرر في روما أي في نفس المدينة
التي جرى فيها عام 1957 توقيع معاهدة روما، تقرر في كانون الأول 1990 بدء مفاوضات بين
الحكومات لإنجاز الاتحادين: الاتحاد الاقتصادي والنقدي والاتحاد السياسي معاً.
لا بد لنا أن نستعرض الدور التاريخي للاقتصاد الألماني خلال الفترة ما بين 1980-1989
كون ألمانيا تعد الاقتصاد الأول في المنطقة الأوروبية، تمكن البنك المركزي الألماني
تحت قيادة شميدت بمنتصف عام 1978 من إعادة التوازن إلى الاقتصاد. بعد ذلك ، واصل الاقتصاد
التوسع في عام 1979 و حتى جزء كبير من عام 1980 ، بمساعدة شميت الذي فاز بإعادة انتخابه
في عام 1980. لكن ثبت أن التحسن متفاوت وضعيف حيث ظهرت المشاكل في منتصف 1970s عادت
بسرعة. في أوائل عام 1981 ، واجهت شميت أسوأ حالة ممكنة : تراجع النمو وارتفعت البطالة
، ولكنه لم ينخفض التضخم.
بحلول خريف عام 1982 ، انهارت الحكومة شميت الائتلافية و انسحب الحزب الديمقراطي الحر
و ظهر ائتلاف جديد بقيادة هيلموت كول ، زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي
المسيحي. بدأ مباشرة ما يسمى الموت Wende (تحول أو عكس). وشرعت الحكومة في تنفيذ سياسات
جديدة للحد من دور الحكومة في الاقتصاد ، وخلال عام واحد وفاز في التصويت الشعبي دعما
للمسار جديد.
في إطار سياسة واسعة النطاق، فإن للحكومة في تلك الفترة عدة أهداف رئيسية هي : خفض
العجز في ميزانية الحكومة الاتحادية من خلال خفض النفقات ، فضلا عن الضرائب ، والحد
من القيود التي تفرضها الحكومات والأنظمة ، وتحسين الأداء والمرونة في سوق العمل. كما
قامت الحكومة من خلال سلسلة من تدابير الخصخصة منها بيع ما يقارب من مليار DM10 (قيمة
المارك الألماني) في أسهم متنوعة من المؤسسات المملوكة للدولة على النحو VEBA ، VIAG
، Volkswagen, Lufthansa، وSalzgitter. من خلال كل هذه الخطوات ، تراجع دور الحكومة
بالاقتصاد ألمانيا الغربية بنحو 52 % إلى 46 % من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي
1982 و 1990 ، وفقا لإحصاءات البنك المركزي الألماني.
على الرغم من سياسات يموت ( Wende ) بتغير مزاج الغرب بالاقتصاد الألماني وإعادة قدر
من الثقة ، وجاء التقدم بنسب متفاوتة. خلال الجزء الأكبر من الثمانينيات كانت أرقام
التضخم و النمو تتحسن ولكن ببطء ، وأرقام البطالة بالكاد تحرك على الإطلاق. لم يكن
هناك نمو الوظائف حتى نهاية العقد الحالي.
ومع ذلك، من الصحيح أيضا أن النمو في ألمانيا الغربية لم يصل إلى المستويات التي كانت
عليه في السنوات الأولى للجمهورية الاتحادية. كان هناك انخفاض في معدل نمو منذ الخمسينيات،
و في معدلات البطالة منذ الستينات، وزيادة تدريجية في التضخم.
أظهرت الإحصاءات الاقتصادية العالمية تراجع الإنتاج والحيوية في ألمانيا الغربية. وهي
تظهر أيضا أن ألمانيا الغربية حصتها من مجموع الإنتاج العالمي قد ارتفع من 6.6 % في
عام 1965 إلى 7.9 % بحلول عام 1975. بعد اثني عشر عاما ، في عام 1987 انخفض إلى 7.4
%؛ نظرا للمزيد من النمو السريع في اليابان والدول الآسيوية الأخرى. بل و بلغ الناتج
المحلي الإجمالي المقدر من ألمانيا الشرقية ذروتها قبل التوحيد، تساهم كامل ألمانيا
بنصيب أكبر من الإنتاج العالمي من غرب ألمانيا وحدها.
إلا أنه في أواخر الثمانينيات أخيرا بدأ اقتصاد ألمانيا الغربية بالنمو بسرعة أكبر.
معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا الغربية ارتفع إلى 3.7 % في عام 1988 و 3.6
% في عام 1989 ، وهو أعلى مستوى للعقد. كما أن معدل البطالة انخفض إلى 7.6 % في عام
1989 ، على الرغم من تدفق العمال من الخارج. وهكذا ، فإن نتائج أواخر الثمانينيات يبدو
للدفاع ألمانيا الغربية في جانب العرض الثورة. تخفيض نسبة الضريبة قد أدى إلى زيادة
الإيرادات وحيوية.
سنة 1989 هي السنة الأخيرة من اقتصاد ألمانيا الغربية بوصفها مؤسسة مستقلة ومنفصلة.
من عام 1990 بدأت ألمانيا الغربية في إعادة توجيه الاقتصاد نحو نفسه و للاتحاد الاقتصادي
و السياسي مع ما تم في ألمانيا الشرقية. تحول تدريجي واسع للاقتصاد و بصورة رئيسية
الاستقلال عن بلدان أوروبا الغربية والتوجه العالمي بنحو متزايد مكثف يركز على الاحتياجات
والفرص المتاحة للتوحيد.
المرحلة الثانية:
بدأ التفاوض في روما في كانون الأول 1990 تحت الرئاسة الايطالية ، حيث اختتم التفاوض
بعد سنة في مدينة ماستريخت في هولندا.و توصل 12 رئيس دولة وحكومة إلى الاتفاق على معاهدة،
والتي تدعى معاهدة ماستريخت والتي تتميز بثلاث أشياء هامة.
أولها: هو أن هذه المعاهدة تبني الاتحاد الأوروبي. اقترح البرلمان الأوروبي بدافع من
سبينيللي تحويل العلاقات بين بلدان أعضاء الجماعة إلى (اتحاد أوروبي)، بعد سنوات عدة
من مشروع سبينيللي، قرر رؤساء الدول والحكومات أن يبثوا الحياة في الوحدة الأوروبية.
ثانيها: الهدف من معاهدة ماستريخت هو أنشاء شكل موحد للمواطنة الأوروبية، فالمواطن
الأوروبي المزود بمجموعة من الحقوق، على سبيل المثال، حق التصويت في الانتخابات البلدية
أو في الانتخابات الأوروبية، أو بعض الحقوق المتصلة بالانتماء إلى حضارة مشتركة.
ثالثها: هو المتعلق بإنشاء السياسة الخارجية والأمن المشتركين، أي تلك التي تعزز إمكانية
أن تؤكد أوروبا صوتها على المستوى العالمي.
تسعى هذه المعاهدة لخمس أهداف رئيسية و هي:
- تعزيز الشرعية الديمقراطية للمؤسسات
- تحسين فعالية المؤسسات
- إقامة اتحاد اقتصادي ونقدي
- تطوير البعد الاجتماعي للجماعة
- إقامة سياسة خارجية وأمنية مشتركة
تنص معاهدة على سياسات الجماعة في ست مناطق جديدة:
- عبر الشبكات الأوروبية
- السياسة الصناعية
- حماية المستهلك
- التعليم والتدريب المهني
- الشباب
- الثقافة
جرى توقيع معاهدة ماستريخت في آذار 1992 ومن ثم خضعت إلى المصادقات الوطنية وبدأت في
هذه اللحظة مرحلة من المراحل الصعبة في تاريخ التكامل الأوروبي، عندما تسبب الطلب من
المواطنين لإعطاء موافقتهم على التقدم بالاتحاد الأوروبي إلى الأمام، نحو مصير و أهداف
غير مشروحة جيداً للرأي العام، تسبب في بعض البلدان وعند بعض الشعوب الكثير من الحيرة
وربما الخوف أيضا. جرى هذا في فرنسا عند الاستفتاء على معاهدة ماستريخت، فقد أعطت الأغلبية
موافقتها على هذه المعاهدة بفارق بضعة عشرات من الآلاف من الأصوات، كما حدث على نحو
خاص في الدنمرك، حيث كان على مواطني الدنمرك الذهاب للاقتراع مرتين من أجل الموافقة
على دخول اتفاق ماستريخت في النهاية ثم حققت المعاهدة حيز التنفيذ في عام 1993. العنصر
الأساسي ذو الطابع الاقتصادي لاتفاق ماستريخت هو تحقيق الاتحاد الاقتصادي والنقدي،
وبخاصة، إنشاء العملة النقدية الموحدة.
1994-1995 وهما عامان مهمان لتاريخ أوروبا. فترة مهمة لما شهدته من أحداث مهمة، حيث
تمت الانتخابات المباشرة للبرلمان الأوروبي في حزيران لعام 1994، وبالتالي فإن برلماناً
جديداً دخل المسرح السياسي للتكامل الأوروبي. بالإضافة الانتقال من مفوضية إلى أخرى،
انتهت العشر سنوات لمفوضية ديلور، المفوضية التي أبرزت بطريقة معمقة تاريخ التكامل
السياسي والاقتصادي والاجتماعي لأوروبا وبدأ عصر مفوضية سانتير، والتي دامت أقل من
خمس سنوات بقليل.
بدأت المرحلة الأخيرة من الجدل حول الانتقال إلى الاتحاد الاقتصادي والنقدي،
جدل حاد أيضاً، لأنه كان رأي قسم من الطبقة السياسية في ألمانيا أن بعض البلدان فقط
هي القادرة على احترام ما يتعلق بالاتحاد الاقتصادي والنقدي وتقديم ضمانات بشأنه.وصدر
في أيلول في عام 1994، وثيقة مهمة باسم وثيقة "النواة الصلبة" الذي أنجزه الديمقراطيون
المسيحيون الألمان، وحسب اعتقادهم أنه يحق لخمس بلدان فقط- ألمانيا، وفرنسا، وبلجيكا،
وهولندا ولكسمبورج- الدخول في الاتحاد الاقتصادي والنقدي، بينما لا يمتلك هذا الحق
بلدان أخرى، مثل ايطاليا واسبانيا. و لكنها دخلتا مع بداية عام 1995، في الاتحاد الأوروبي،
ثم ثلاث بلدان من وسط وشمال أوروبا: النمسا، والسويد وفنلندا.
لم تدخل النرويج للمرة الثانية بعد أن رفضت باستفتاء معاهدة الانضمام، التي قالت
"لا" في عام 1972 والتي قالت مرة أخرى "لا" في عام 1994. وبدأ التفاوض مع 10 بلدان
جديدة، 10 مرشحين جدد من أوروبا الوسطى، وأوروبا الشرقية وجنوب أوروبا. ثلاث بلدان
من بلدان البلطيق، استونيا، و لاتفيا وليتوانيا؛ وأربع بلدان من أوروبا الوسطى وهي
بولندا، والمجر، والجمهورية التشيكية وسلوفاكيا ؛ وواحدة من الجمهوريات الاتحادية السابقة
رومانيا، سلوفينيا و بلغاريا ؛ بالإضافة لبلدين، من جزر في البحر الأبيض المتوسط، هما
مالطا وقبرص.
حول انضمام هذه البلدان تصادم رأيان في الشهور الأولى هو رأي تلك المفوضية الأوروبية
وحسب اعتقادها يجب أن تدخل هذه البلدان واحدة بعد الأخرى حسب درجة احترام كل منها للشروط
السياسية والاقتصادية للانضمام إلى الاتحاد. كانت الفكرة هي"سباق الزوارق"، أي أن ينطلقوا
كلهم معاً لكن من يصل إلى نقطة الهدف أولا هو الذي ينضم ثم يتبعه الباقون كلا حسب سرعته.
من جهة أخرى كانت هناك رؤية البرلمان الأوروبي، أي الفرقعة الكبيرة بيكبانج Big Ban
، أي أن كل البلدان العشر عليهم الدخول بالتزامن.
وبعد نقاش شمل المفوضية، والمجلس والبرلمان، ربحت أطروحة البرلمان وبناء عليها دخل
إلى الاتحاد 10 بلدان في الأول من كانون الثاني عام 2004، بشكل متزامن. أن بدء المفاوضات
مع هذه البلدان، وانضمام النمسا، وفنلندا والسويد، طرح مشكلة عمل المؤسسات الأوروبية،
في نقاشات المجلس أولا، ومن ثم في نقاشات البرلمان، وبعدئذ فتح الأمل لتغيير آخر للاتفاقيات
التي رأت الضوء بعد سنتين مع مشروع أمستردام.
بعد فترة زمنية من النقاش، وبعد سلسلة من الاتفاقيات في جزء منها كان ثنائيا وفي جزء
آخر متعدد الجوانب، بين الجماعة الأوروبية والبلدان التي تقع على ضفاف البحر الأبيض
المتوسط، بشكل خاص تلك المجتمعة في المشرق، وتلك المجتمعة في المغرب، وقع الاتحاد الأوروبي
في تشرين ثاني عام 1995 اتفاق مهم للشراكة مع مجموع البلدان حول البحر المتوسط، بدءا
من المغرب وحتى لبنان ضمن إطار زمني مدته خمسة عشر سنة. الفكرة هي أنه مع حلول 2010
يصبح البحر الأبيض المتوسط سوقا كبيرة يمكن داخلها التجول بحرية أكبر للأشخاص، والثروات،
والخدمات، ورؤوس الأموال، وعلى نحو خاص تنتشر الثقافة، وتعم الديمقراطية وينتشر الحوار
بين ثقافات مختلفة.
وقع هذا الاتفاق (شراكة الأورومتوسطية) في برشلونة ، هذه المدينة الكبيرة في قطالونيا
في نهاية تشرين الثاني عام 1995 وهي إحدى المراحل المهمة للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي
والجماعة من قبله مع بلدان العالم الثالث. نتذكر أن أحد الأعمال الأولى للجماعة الأوروبية
كان توقيع اتفاق "لوميه" مع البلدان الإفريقية، والكاريبي والمحيط الهادي، أي في جزء
كبير مع المستعمرات القديمة، وهذا الاتفاق مع البلدان المتوسطية بشكل ما يتمم ويكمل
العلاقات، من جهة الاتحاد الأوروبي مع هذه البلدان ومن جهة أخرى العلاقات التي أسسها
الاتحاد الأوروبي مع الأطراف ألأخرى الشيء المهم الثاني للشراكة الأورومتوسطية هو كون
بعض البلدان مثل ايطاليا، أو اليونان أو فرنسا أو اسبانيا يرون أنه من المهم تعويض
الجهد الذي بذله الاتحاد الأوروبي من أجل فتح حوار وتفاوض من أجل الانضمام مع بلدان
أوروبا الوسطى والشرقية، بجهد آخر على نفس المستوى مع بلدان المتوسط. جهد ليس فقط له
صفة سياسية، ولكن له أيضاً صفة مالية.
كان هذا هو المنطق الذي حكم رؤية الحوار الأورومتوسطي وهي رؤية ذات آفاق مستقبلية كبيرة،
ولهذه الشراكة نتائج واضحة، لأنها تسمح بهدم الحدود وتدني رسوم الدخول للبضائع بشكل
كبير والسماح بالتالي لمنتجات البلد والبلد الآخر أن تتجول بحرية أكبر وبالتالي، يحدث
تطور أكبر للاقتصاد عبر التطور التجاري.
من وجهة النظر هذه، يثبت الاتحاد الأوروبي إذاً كشريك مهم على المستوى الدولي،
وكمحادث أساسي في إطار عالم شمولي وعالم يجب أن ينطلق نحو نظام متعدد الأقطاب. ويطرح
التجوال الحر للأشخاص على جانبي البحر المتوسط، وبخاصة من الجزء الجنوبي باتجاه الجزء
الشمالي و التي تمثّل مشكلة تجوال الأشخاص في الاتحاد الأوروبي.
من هذا المنظور من المهم أن نذكر أنه بعد سنين عدة من التفاوض دخل أخيراً حيز التنفيذ
اتفاق شينجن (Schengen)، الاتفاق الذي يجمع بعض بلدان، وليس كل بلدان الاتحاد الأوروبي
ويسمح بالهدم الكلي للحدود الطبيعية، أي للتجوال الحر للأشخاص بين ألمانيا، وبلجيكا،
وفرنسا، ولكسمبورغ، وهولندا، واسبانيا، والنمسا. يجب أن تعتاد ايطاليا على بعض القواعد
شينجن (Schengen) هذه، والتي دخلت بعد سنتين فقط في عام 1997. لكن اتفاق شينجن كان
واضحا ً، مرحلة أساسية لبناء أوروبا متكاملة ولإنشاء ذاك المجال الكبير الخالي من الحدود
والذي تخيله ديلور عام 1985.
مع انضمام النمسا وفنلندا والسويد، وبدء التفاوض لضم عشرة بلدان في أوروبا الوسطى والشرقية
وجنوب أوروبا وهي البلدان مرشحة للانضمام إلى الاتحاد ، عادت مشكلة كيفية عمل المؤسسات
الأوروبية بطريقة فعالة، وبطريقة ديمقراطية، والتي جرى تصورها من قبل ولسنوات عدة من
أجل أوروبا تتألف من ست أو تسع أو عشر وأخيرا لسبع وعشرين دولة. وبعد سلسلة من النقاشات
المرتبطة بنظام التصويت في المجلس، الذي هو نظام معقد جداً كما يقال، ومدروس بحذر وتبصر،
لأنه يعطي الاعتبار في التصويت لبلدان منفردة بالنسبة للوزن النسبي لمجموع السكان لأي
من هذه البلدان، لهذا يقال إنه تصويت مدروس أو متزن.
وانطلاقا من هذه النقاشات تم الأخذ في الاعتبار في عام 1996 أنه يجب أن تحدث تغييرات
أخرى للاتفاقيات وبالتالي في المجلس الأوروبي في آذار عام 1996 تحت الرئاسة الايطالية
ومن بعده في المجلس الأوروبي في فلورنسا في حزيران عام 1996، انطلق نقاش من أجل تغيير
الاتفاقيات، بالأخص فيما يتعلق بعمل المجلس، و علاقات السلطات بين مختلف الحكومات الأوروبية
داخل المجلس، ومن أجل توسيع سلطات البرلمان الأوروبي، فيما يسمى باتخاذ قرارات مشتركة
تشريعية، أي الإجراء الذي يقرر فيه البرلمان والمجلس معاً، أو بالأحرى، يقرران بطريقة
منسجمة حول تبني توجهات وتنظيم الجماعة؛ مع تقوية وتأكيد سلطات المفوضية وتحديد المجالات
التي يجب على الاتحاد الأوروبي التدخل فيها، حينما لا يكون بمقدور الدول التأثير بفعالية،
وذلك تبعاً لمبدأ معروف وجرى إدخاله في اتفاق ماستريخت، والذي يأتي تحت اسم "مبدأ المؤازرة".
هذه هي النقاط الجوهرية، ومن ثم أضيفت نقاط أخرى، فهناك جدل محتدم مثلا يتعلق بالسياسة
الاجتماعية، أي ما إذا كان على الاتحاد الأوروبي التدخل في مسائل حقوق العمال، أكثر
من ذاك الذي تقوم به الدول الوطنية؛ أو قضايا أخرى تتعلق مثلاً بمسائل المجال الأوروبي
في الأمن والعدالة؛ أو المشكلة التي تجعل عمل الاتحاد الأوروبي في موضوع السياسة الخارجية
أكثر فعالية.
هي إجمالا مجموعة من النقاشات الحقيقية الملموسة حول دور الاتحاد الأوروبي. تمارس كل
هذه النقاشات، في مؤتمرات بين الحكومات، أي يشارك فيها دبلوماسيون من البلدان المختلفة
جرت كما قلت من قبل أثناء المؤتمر الايطالي ومن بعد أثناء الرئاسة الايرلندية ثم في
الرئاسة الهولندية، وفي النهاية اختتمت هذه النقاشات في حزيران لعام 1997، بالموافقة
على معاهدة أمستردام. ولكن هذه الاتفاقية لم تحل التناقضات بين الحكومات، أي أن الحكومات
لم تستطع أن تتفق لا على علاقات القوى فيما بينها داخل المجلس، ولا على المجالات التي
يجب على المجلس التقرير فيها بالأغلبية، ولا على تركيب المفوضية.
أي أن الحكومات لم تتفق على مسائل أساسية في عمل المؤسسات. ولهذا السبب لم يرد في اتفاق
أمستردام، والذي جرى توقيعه بالطبع في أمستردام في حزيران عام 1997، حل لكل هذا الجزء
المتعلق بعمل المؤسسات، والمجلس، والبرلمان والمفوضية، وبالتالي قررت الحكومات توقيع
إعلان على هامش الاتفاق، فيما يسمى ( Left over) أي بقايا اتفاق أمستردام وحددوا في
ذاك الإعلان قائمة للأجزاء التي لم تستطع الحكومات أن تتوصل فيها إلى اتفاق والتي من
أجلها أجلوا إلى مؤتمر حكومي آخر الاتفاق على توزيع السلطات بين الحكومات داخل المجلس،
والمجالات التي يستوجب على المجلس التصويت عليها بالأغلبية، وتركيبة المفوضية وتركيبة
البرلمان الأوروبي.
المرحلة الثالثة:
دخل اليورو في عام 1999 لأحدى عشر دولة أوروبية (من بينها اليونان التي دخلت منطقة
اليورو عام 2001) و قد أصبح العملة الرسمية للمعاملات التجارية و المالية فقط، ثم دخلت
الأوراق النقدية و العملات النقدية في وقت لاحق.
في أيار عام 1998 قرر مجلس الاتحاد الأوروبي – المكون من رؤساء الدول أو الحكومات --
بالإجماع أن 11 من الدول الأعضاء قد أوفت الشروط اللازمة للمشاركة في المرحلة الثالثة
من الاتحاد النقدي واعتماد العملة الموحدة في 1 كانون الثاني 1999. الأولى من المشاركين
كانت بلجيكا ، ألمانيا ، أسبانيا ، فرنسا ، ايرلندا ، ايطاليا ، لوكسمبورج ، وهولندا
، والنمسا والبرتغال وفنلندا. رؤساء الدول أو الحكومات أيضا إلى التوصل إلى تفاهم سياسي
على الأشخاص أن أوصي بتعيينه عضوا في المجلس التنفيذي من المصرف المركزي الأوروبي.
ثلاث مراحل للاتحاد الاقتصادي والنقدي
المرحلة الأولى بدأت في 1 من تموز 1990 من الاتحاد الاقتصادي والنقدي.
إنها تتميز أساسا كما ذكرنا سابقا بإلغاء جميع الحواجز الداخلية على حرية انتقال السلع
والأشخاص والخدمات ورؤوس الأموال داخل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
المرحلة الثانية بدأت مع نشوء (المجلس النقدي الأوروبي) EMI ، والسلف
من البنك المركزي الأوروبي ، في 1 كانون الثاني1999. كانت المرحلة الثانية قد خصصت
للتحضيرات التقنية لإنشاء العملة الموحدة و تنفيذ الانضباط المالي ، وتعزيز التقارب
الاقتصادي والسياسات النقدية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وكان البنك المركزي
الأوروبي الذي أنشئ في يونيو 1998 ، ويعطيها نصف سنة لتنفيذ الأعمال التحضيرية لمجلس
النقدي الأوروبي.
1.الاستعدادات لتحديد أسعار التحويل
أيضا في أيار عام 1998 ، تبنى وزراء المالية من الدول الأعضاء العملة الموحدة المتفق
عليها مع رؤساء البنوك المركزية لهذه الدول الأعضاء، اللجنة الأوروبية و المجلس النقدي
الأوروبيEMI) ( و الذي ترادفه حاليا آلية سعر الصرف الأوروبية (ERM)يمثل هذين المجلسين
معدلات الفائدة المركزية الثنائية لأسعار عملات الدول الأعضاء المشاركة و التي سوف
تستخدم في تحديد أسعار التحويل التي لا رجعة فيها لمنطقة اليورو.
2.تعيين هيئات صناعة القرار
في 25 من أيار عام 1998 عينت حكومات 11 دولة المشاركة من الدول الأعضاء الرئيس، ونواب
الرئيس وأربعة أعضاء آخرين من المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي. تم تعيينهم
اعتبارا من 1 يونيو 1998 ، و هذا ما يمثل إنشاء البنك المركزي الأوروبي.تشكل (Eurosystem)
من البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الوطنية للدول الأعضاء المشاركة، و الذي
يتلخص بدوره بتحديد و صياغة السياسة النقدية الموحدة في المرحلة الثالثة من الاتحاد
النقدي الأوروبي.
مع إنشاء البنك المركزي الأوروبي في 1 حزيران 1998 يكون المجلس النقدي الأوروبي قد
أكمل مهامه. وفقا للمادة 123 (المادة 109l سابقا) من معاهدة إنشاء الجماعة الأوروبية،
و بالتالي تمت تصفية المجلس النقدي الأوروبي ليحل مكانه إنشاء البنك المركزي الأوروبي.
تعهد المجلس النقدي الأوروبي بجميع الأعمال اختتمت أعماله في الوقت المناسب وخصص بقية
عام 1998 للبنك المركزي الأوروبي لاختبار النهائي لنظم وإجراءات البنك.
المرحلة الثالثة للاتحاد النقدي الأوروبي: غير قابل للتحديد أسعار
الصرف مختلفة
بدأت المرحلة الثالثة في 1 كانون الثاني 1999 ، و هي المرحلة الأخيرة من الاتحاد النقدي
الأوروبي ، وبدأت مع التحديد المستوى المناسب لتحويل أسعار عملات الدول 11الأعضاء المشاركين
الأساسين ، واعتماد اليورو كعملة موحدة. كما أنه منذ هذا التاريخ أصبح مجلس التنفيذي
للبنك المركزي الأوروبي مسئول عن إجراء واحد للسياسة النقدية لمنطقة اليورو. وكان سبق
ذلك في اجتماع لمجلس الاتحاد الأوروبي لتكوين رؤساء الدول أو الحكومات ، في أيار 1998
والذي أكد أن 11 من الـ 15 دول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في ذلك الوقت و هم( بلجيكا
، ألمانيا ، ايرلندا ، اسبانيا ، فرنسا ، إيطاليا ، لوكسمبورج ، وهولندا ، والنمسا
والبرتغال وفنلندا ) قد أوفت بالمعايير اللازمة للاعتماد العملة الموحدة. في 1 كانون
الثاني 2001 انضمت اليونان لمنطقة اليورو.
اكتمل التحول الأول إلى اليورو في 1 كانون الثاني 2002 مع إدخال الأوراق النقدية والعملات
المعدنية لليورو. أصبحت سلوفينيا العضو 13 في منطقة اليورو في كانون الثاني 2007. وانضمت
قبرص و مالطا في 1 كانون 2008 ، و سلوفاكيا 1 كانون الثاني 2009.
مهام البنك المركزي الأوروبي
يساهم البنك المركزي الأوروبي في التكامل المالي من خلال أربع طرق:
- يعطي المشورة بشأن الإطار التشريعي والتنظيمي للنظام المالي المباشر ووضع القواعد.
- يعمل كعامل مساعد لأنشطة القطاع الخاص عن طريق تيسير العمل الجماعي.
- إنه يعزز المعرفة وزيادة الوعي و مراقبة حالة التكامل المالي الأوروبي.
- توفر خدمات البنك المركزي الأوروبي التي تقوم بتعزيز التكامل المالي.
بشأن المراقبة، يقوم البنك المركزي الأوروبي بنشر تقرير سنوي عن التكامل المالي في
أوروبا. الهدف الثاني، يقدم نظام مدفوعات لمنطقة اليورو في الوقت الحقيقي تسوية أموال
البنك المركزي من المدفوعات باليورو و هذا مثالا لخدمات للبنك مركزي التي تعزز التكامل
المالي. و يقوم البنك المركزي الأوروبي أيضا بدور الحافز في مساعدة المصارف على تنفيذ
مدفوعات منطقة اليورو بالعملة الموحدة و هذا ما يسمى ( (SEPA.و هي السياسية التي تمكن
المواطنين والشركات لتقديم المدفوعات الدولية باليورو في حساب مصرفي واحد باستخدام
مجموعة واحدة من أدوات الدفع الميسرة، وبأسعار زهيدة و تضمن الأمان بنظمها الوطني.
الميزات الأساسية لمنطقة اليورو
قبل إنشاء الاتحاد النقدي ، الفرد في البلدان التي هي الآن جزء من منطقة اليورو كانت
صغيرة نسبيا للاقتصاديات المفتوحة. على النقيض من ذلك ، فأن منطقة اليورو تعد كبيرة
، أكبر بكثير من الاقتصاديات الواردة. حجم منطقة اليورو يجعلها قابلة للمقارنة مع الولايات
المتحدة.
من حيث عدد السكان ،فأن منطقة اليورو واحدة من أكبر الاقتصاديات المتقدمة في العالم
، مع 316.6 مليون مواطن في عام 2005. وبالمقارنة ، فإن عدد سكان الولايات المتحدة واليابان
، كانت 296.7 و 127.8 مليون على التوالي.، ومن حيث (مساهمتها بالناتج المحلي الإجمالي
العالمي) تحتل منطقة اليورو ثاني أكبر اقتصاد في عام 2005 ، 14.9% ، بعد الولايات المتحدة
مع 20.1 %. وكان نصيب اليابان 6.4 %.
أن حقيقة الاقتصاد في منطقة اليورو أقل انفتاحا من اقتصاديات البلدان الفردية بمنطقة
اليورو و اللذين يميلون إلى الحد من تأثير تحركات الأسعار الخارجية على الأسعار المحلية.
ومع ذلك ،لا تزال منطقة اليورو أكثر انفتاحا من كل من الولايات المتحدة أو اليابان.
تبلغ مساهمة الصادرات بمنطقة اليورو من السلع والخدمات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
الأعلى بشكل ملموس في عام 2005 (20.3%) عن الأرقام المناظرة بالنسبة للولايات المتحدة
(10.2 %) واليابان (14.9 %). هذه أرقام الصادرات لمنطقة اليورو دون سلوفينيا).
مزايا اليورو كعملة موحدة
يمكن اعتبار العملة الموحدة خطوة منطقية لاستكمال السوق الموحدة. هنالك فوائد عدة للعملة
الموحدة هي انخفاض أسعار الفائدة في ظل درجة عالية من استقرار الأسعار
أدارة السياسة النقدية الموحدة من قبل Eurosystem ناجح. اليورو مستقر وموثوق به على
النحو الأفضل أداء بين العملات التي كانت تستخدم في منطقة اليورو. هذا وقد أنشأت بيئة
من استقرار الأسعار في منطقة اليورو ، ويمارس الضغط على الأسعار وتحديد الأجور. ونتيجة
لذلك ، فأن توقعات التضخم ومخاطر معدلات التضخم تبقى منخفضة ومستقرة ، مما يؤدي إلى
انخفاض مستويات أسعار الفائدة في الأسواق.
الشفافية في الأسعار
يمكن تسديد المبالغ المستحقة بنفس العملة النقدية( اليورو) في جميع بلدان منطقة اليورو
، مما يجعل من السفر عبر هذه البلدان أكثر سهولة. شفافية الأسعار جيدة بالنسبة للمستهلكين
و يجعل من الممكن بالنسبة للمستهلكين شراء أرخص من الموردين في منطقة اليورو ، على
سبيل المثال السيارات في مختلف بلدان منطقة اليورو. لذلك ، فان الشفافية في الأسعار
الناجمة عن العملة الموحدة في Eurosystem يساعد على إبقاء التضخم تحت السيطرة و على
زيادة المنافسة يجعل من المرجح أن الموارد المتاحة سوف تستخدم بأنجع وسيلة لتحفيز داخل
منطقة اليورو مما دعم التجارة والعمالة والنمو.
إزالة تكاليف المعاملات
إطلاق اليورو في 1 كانون الثاني 1999 خلص العملات الأجنبية داخل منطقة اليورو من تكاليف
المعاملات المتضمنة تحويل أسعار الصرف ، وبالتالي وفر الكثير على المتعاملين داخل منطقة
اليورو ، لم تعد هناك أي التكاليف الناشئة عن: شراء وبيع العملات الأجنبية في أسواق
الصرف الأجنبي، التحوط ضد تحركات أسعار الصرف المعاكسة، المدفوعات عبر الحدود في العملات
الأجنبية ، مما يترتب عليه ارتفاع الرسوم، حفظ عدة حسابات بالعملة التي تجعل إدارة
الحسابات أكثر صعوبة.
الحد من تقلبات أسعار الصرف
مع بدء التعامل باليورو ، وتقلبات أسعار الصرف ، وبالتالي اختفت مخاطر الصرف الأجنبي
داخل منطقة اليورو . في الماضي، كان تكاليف سعر الصرف و مخاطرها تعيق التجارة والمنافسة
عبر الحدود.
لماذا التكامل المالي هام بالنسبة للمهام البنك المركزي الأوروبي؟
يستخدم النظام المالي لتسيير السياسة النقدية في منطقة اليورو ، الذي هو المهمة الأساسية
المسندة إلى Eurosystem بموجب المعاهدة المنشئة للجماعة الأوروبية (معاهدة الجماعة
الأوروبية). وهو كذلك النظام المالي المتكامل يعزز الانتقال السلس و الفعال لنبضات
السياسة النقدية في جميع أنحاء منطقة اليورو.
لتكامل المالي آثار مهمة في الحفاظ على الاستقرار المالي في منطقة اليورو والاتحاد
الأوروبي والتي تساهم في Eurosystem ، على النحو المنصوص عليه في المعاهدة. على سبيل
المثال، السعي للتكامل المالي سيكون له آثار مفيدة على الاستقرار المالي، فعندما ترتفع
مستويات التكامل في الأسواق المالية فأن هذا سيوفر الظروف اللازمة لسلاسة امتصاص الصدمات
المالية.
التكامل المالي أيضا أساسي لمهمة Eurosystem لتعزيز السلاسة بعميلة المدفوعات، وهذا
بدوره يؤدي دورا هاما في سلامة وكفاءة أداء الأوراق المالية ونظم المقاصة والتسوية.
التكامل المالي بمنطقة اليورو
كانت النظم المالية في منطقة اليورو بالماضي تدار بوساطة البنوك الوطنية للدول
الأوروبية كل حسب عملتها الخاصة. و بعد أن تشكل السوق الموحد و اليورو ، فإن النظام
المالي الأوروبي أصبح أكبر و أكثر ترابطا. وهذا يعني أن الحدود الوطنية أصبحت دون أهمية.
و هذا الترابط ما حصل كذلك للأسواق المالية و البنية التحتية المالية المتصلة به و
ما تتضمنه من مؤسسات المالية : على سبيل المثال ، دمج البنوك عبر الحدود أو إنشاء فروع
في بلدان أخرى.
الفوائد الاقتصادية للتكامل المالي
في نهاية المطاف، يزيد التكامل المالي احتمال نمو اقتصادي أكبر . وهذا يعني أن
الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو أكبر مقارنة مع كل دولة أوروبية على حدا، والنظام
المالي أكثر تكاملا في منطقة اليورو. بالنظر للعناصر الاقتصادية ، نلاحظ بأن النظام
المالي الأكبر و الأكثر تكاملا يتيح جملة من الأمور منها، استغلال أفضل للموارد من
حيث الحجم والنطاق. في المقابل ، فأن الأفراد تستفيدون بالحصول على أكبر مجموعة من
المنتجات المالية نسبيا مع انخفاض تكاليف( مثل القروض العقارية لشراء المنازل) .
دخول الأوراق النقدية والعملات المعدنية لليورو
بعد أن دخلت الأوراق النقدية والعملات المعدنية لمنطقة اليورو في كانون الثاني عام
2002 تفاجئ المستهلكين بارتفاع معدلات التضخم بوتيرة أكبر من التوقعات الإحصائية.
أشارت الإحصاءات لهذا الارتفاع في الوقت الذي حولت فيه العملة النقدية الموحدة لليورو
أسعار عدة بنود، بالأخص تلك التي تم شراؤها غالبا، فقد سجلت ارتفاعا فوق المتوسط .
حصل هذا الارتفاع لبعض المؤسسات، و استفاد باعة التجزئة من هذا الارتفاع الناجم عن
التحويل للعملة النقدية لليورو التي زادت التكاليف على المستهلكين.
بيد أن الزيادات الأخرى بالأسعار ليس لها صلة مباشرة باعتماد اليورو الأوراق النقدية
والعملات المعدنية. على سبيل المثال، ارتفعت أسعار النفط عالميا في الوقت الذي تأثرت
به أسعار التجزئة للوقود في محطات التعبئة. وبالمثل ، فإن سوء الأحوال الجوية وكان
له أثر بارتفاع أسعار الفواكه والخضروات.
تزامنت هذه الأحداث مع التحول لاستخدام العملة النقدية لليورو و الوحدات النقدية، وإنه
اعتقاد خاطئ ربط ارتفاع الأسعار مع الانتقال لاستخدام العملة الموحدة لليورو و الوحدات
النقدي. أكد المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي أن الأثر المباشر للتحول لاستخدام اليورو
كان محدود لا يزيد على 0.3 نقطة مئوية من إجمالي معدل التضخم في منطقة اليورو عند 2.3
% في عام 2002.
علاوة على ذلك، فقد أظهرت الدراسات أن المستهلكين يميلون للاعتقاد بأن التحول النقدية
من شأنه رفع المستويات العامة للأسعار، ويبدو أن هذه التوقعات قد أثرت بشكل كبير على
التصورات اللاحقة.
غير أن عمليات المسح التي أجرتها المفوضية الأوروبية ،تظهر أن المستهلكين أصبحوا معتادين
على اليورو كعملة موحدة و تقلصت الفجوة بين معدلات التضخم المدركة و الفعلية التي يتم
قياسها التضخم .
المرحلة الرابعة:
31 آذار 2003
كجزء من السياسة الخارجية والأمنية المشتركة ، يتخذ الاتحاد الأوروبي عمليات حفظ السلام
في البلقان ، أولا في جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة ، ثم في البوسنة والهرسك.
في كلتا الحالتين، تحل محل قوات التي يقودها الاتحاد الأوروبي محل وحدات حلف شمال الأطلسي.
على الصعيد الداخلي، فإن الاتحاد الأوروبي يوافق على إنشاء منطقة للحرية والأمن والعدالة
لجميع المواطنين بحلول عام 2010.
29 تشرين الأول 2004
قامت دول الاتحاد الأوروبي الـ 25 بالتوقيع على المعاهدة الأوروبية لوضع الدستور. وهو
مصمم لتبسيط الديمقراطية و صنع القرار والإدارة في الاتحاد الأوروبي في 25 بلدا وأكثر.
كما تخلق منصب وزير الخارجية الأوروبي. وقد يتم التصديق عليها من قبل جميع البلدان
25 قبل أن تدخل المعاهدة حيز النفاذ. صوت المواطنين في كل من فرنسا وهولندا "علا على
الدستور" ضمن استفتاء في عام 2005، و هذا ما سبب إعلان قادة الاتحاد الأوروبي بإعطائهم
"مهلة للتفكير".
و قع الاتحاد الأوروبي على بروتوكول كيوتو، و هي معاهدة دولية للحد من ظاهرة الاحتباس
الحراري وخفض انبعاث غازات الدفيئة. و يلعب الاتحاد الأوروبي على الدوام دور الرائد
في الجهود الرامية إلى الحد من تأثير تغير المناخ و من الجدير بالذكر بأن الولايات
المتحدة ليست طرفا في البروتوكول.
شهد هذا العام ثورة في الاتصالات لا تزال مستمرة حتى الوقت الراهن. تمتع العديد من
المدارس والمنازل الآن بالسرعة الفائقة على شبكة الإنترنت. وتعد الرسائل النصية والرسائل
القصيرة هي الطريقة المفضلة للشباب للبقاء على اتصال مستمر مع بعضها البعض، بالإضافة
لاستخدام شاشات تلفاز واسعة ذي شاشة مسطحة وأقراص فيديو رقمية أجهزة ضبط السرعة الترفيه
المنزلي.
الأول من كانون الثاني 2007
دولتين من بلدان أوروبا الشرقية و هما بلغاريا، ورومانيا، قامتا بالانضمام إلى الاتحاد
الأوروبي، واستقدام عدد الدول الأعضاء إلى 27 دولة. كرواتيا ، وجمهورية مقدونيا اليوغوسلافية
سابقا ، وكذلك تركيا المرشحة للعضوية في المستقبل.
الدول الأعضاء : ألمانيا وفرنسا وايطاليا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ والدنمارك وايرلندا
والمملكة المتحدة ، اليونان ، اسبانيا ، البرتغال ، النمسا ، فنلندا ، السويد ، وجمهورية
التشيك وقبرص واستونيا ولاتفيا وليتوانيا والمجر ومالطا بولندا وسلوفينيا وسلوفاكيا.
الأعضاء الجدد: بلغاريا و رومانيا.
13 كانون الأول 2007
قامت دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 بالتوقيع على معاهدة لشبونة ، والذي يعدل المعاهدات
السابقة وهي مصممة لجعل الاتحاد الأوروبي أكثر ديمقراطية وكفاءة وشفافية ، وبالتالي
قادرة على معالجة التحديات العالمية مثل تغير المناخ والأمن والتنمية المستدامة.
الدول الستة عشر التي تستخدم عملة اليورو الموحدة
أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن، ولكنها لا تستخدم العملة الأوروبية
الموحدة: بلغاريا ، جمهورية التشيك و الدنمرك ، استونيا ولاتفيا وليتوانيا والمجر وبولندا
ورومانيا والسويد .
تم أقرار العملة الموحدة في عام 1999 و انضمت لهذه الاتفاقية كل من ألمانيا، ايطاليا،
فرنسا، أسبانيا، برتغال، النمسا، لوكسمبورغ، بلجيكا، هولندا، ايرلندا و فنلندا.
ثم دخلت اليونان بعام 2004 و تبعتها سلوفانيا عام 2007 من ثم قبرص و مالطا بعام 2008
و اكتملت الدول الستة عشر بعام 2009 عندما دخلت سلوفاكيا.
تأثير الأزمة الائتمانية على الاتحاد الأوروبي
عمالقة عالم المال أنفسهم فجأة يواجهون الإفلاس بعد ما سببته الاستثمارات بالمشتقات
الرهن العقاري من خسائر مالية فاقت 1 تريليون دولار أمريكي. لا محالة ، كما أن الأزمة
التي لم يكون لها تأثير على الأسر والشركات فقط بل لقد شهدت مستويات النمو الاقتصادي
تباطأ حاد في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي وبدأت البطالة في زيادة لأول مرة منذ عدة
سنوات.
في الاتحاد الأوروبي ، دفعت الاضطرابات التي حصلت لكافة القطاعات الاقتصادية الحكومات
الوطنية ، والبنك المركزي الأوروبي والمفوضية للعمل معا بصورة وثيقة لحماية المدخرات،
في الحفاظ على تدفق الائتمان بأسعار معقولة للشركات والأسر التي وضعت نظام مالي أفضل
من أجل المستقبل.
وسط مخاوف من ركود عالمي ، فإن المفوضية الأوروبية تسعى جاهدة من أجل سرعة اعتماد التدابير
المقترحة في حزيران لمساعدة الشركات الصغيرة ، الأمر الذي من شأنه أن سيخلق الوظائف
الجديدة في الاتحاد الأوروبي.
كما أنها طلبت من البرلمان الأوروبي والبلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي للدول الـ
27 بسرعة تعتمد على التوجيه المقترح لمتطلبات رأس المال والمؤسسات المالية بهدف كبح
الإفراط في مستويات المخاطرة التي يتحملها القطاع المصرفي، وتحسين الإشراف على المصارف
التي تعمل في مختلف بلدان الاتحاد الأوروبي.
وضعت اللجنة مقترحات للرقابة تنظيمية أكثر صرامة من وكالات التصنيف الائتماني. هذه
الوكالات تقوم بتقديم المشورة للمستثمرين عن مدى سلامة هذه الاستثمارات ، لكنها فشلت
بتسليط الضوء على المخاطر التي أدت إلى الأزمة الراهنة، و نظرت اللجنة أيضا في مسألة
تولي السلطة التنفيذية ، وسط مخاوف من أن يتحمل محافظي البنوك مسؤولية عالية عن اتخاذ
القرارات الاستثمارية الضعيفة.
أعلنت المفوضية في 26 كانون الأول 2008 عن خطة شاملة لمساعدة الاتحاد الأوروبي في التعافي
من الأزمة و تجمع الخطة بين إجراءات وطنية منسقة مع سياسة الاتحاد الأوروبي ، وتقترح
الخطة ضح سيولة بقيمة 200€ بليون للاقتصاد في الاتحاد الأوروبي لتعزيز القوة الشرائية
والنمو وخلق فرص العمل. استجابة للأزمة ، فإن المفوضية الأوروبية ملتزمة بالقيادة والتنسيق
والعمل بلا كلل من أجل تحسين التعاون العالمي والاتحاد الأوروبي لتطبيق القانون بشكل
مرن وسريع.
في 25 شباط ، وضعت مجموعة من الخبراء الماليين بقيادة الرئيس السابق لبنك فرنسا والمدير
العام لصندوق النقد الدولي مجموعة كبيرة الإجراءات من أجل تعزيز الإشراف على الاتحاد
الأوروبي والمؤسسات المالية والأسواق. وتشمل التوصيات وضع قواعد مشتركة لصناديق الاستثمار
في 27 دولة في الاتحاد الأوروبي ، و وضع حد لمكافآت الإداريين في المصارف كما أنها
قللت من الإرباح الموزعة على المساهمين بالإضافة لإقامة نظام لإدارة الأزمات في القطاع
المالي للاتحاد الأوروبي.
نوقشت التوصيات والنهج العام لهذه الأزمة في اجتماع استثنائي لزعماء الاتحاد الأوروبي
في الأول من آذار. وتعهد الوزراء ورؤساء الوزراء بالحفاظ على سوق موحدة، وتعزيز النمو
ورفض الحمائية. وأعقب ذلك بثلاثة أيام من قبل اللجنة اقتراح بشأن إصلاح النظام المالي.
وتدعو الخطة لنظام الإشراف يجمع بين زيادة الرقابة على مستوى الاتحاد الأوروبي مع دور
أقوى لأشراف الوطني.
شهدت القارة الأوروبية سلسة من الانكماشات في الناتج المحلي الإجمالي، امتاز الربع
الأول من عام 2008 بالازدهار حيث توسع الناتج المحلي الإجمالي السنوي في الربع الرابع
في أوروبا بشكل مفاجئ عند ما نسبته 1.9 % على المستوى السنوي وهذا بتأثير النمو في
معدل الاستهلاك الشخصي الذي قلص من معدلات البطالة لتصل إلى 7.1 % بنهاية هذا الربع
كانت معدلات الثقة مستقرة في منطقة اليورو عند مستوى منخفض نتيجة لارتفاع أسعار الغداء
و الطاقة حيث بلغ مستوى التضخم عند 3.3 % متأثر بارتفاع أسعار النفط الخام حينما بلغ
سعر البرميل ما قيمته 97-100 دولار و كانت معدلات الفائدة ثابتة عند 4.00 % و لكن ما
يميز هذا الفترة وصول النمو في معدلات الاستثمار لمستويات الذروة مدعومة بارتفاع مستوى
الطلب على المنتجات الرأسمالية الألمانية و يلاحظ بتلك الفترة ارتفاع قيمة اليورو لمستويات
1.5900 و هذا ما كان يعيق من مستوى الطلب الخارجي على المنتجات الأوروبية.
بدأت قراءات الناتج المحلي الإجمالي الربعية في الربع الثاني بالانخفاض حيث سجلت انكماشا
بنسبة 0.2% قبل أن تبدأ أزمة الائتمان الأمريكية و أزمة المنازل تلوح في الأفق فقد
ارتفع الإنتاج الصناعي في ألمانيا لأعلى مستوى في تاريخيها بالإضافة لفرنسا و ايطاليا
و وصلت الاستمارات في أوروبا للذروة متأثر بفقعه المنازل الأمريكية التي وصلت لحد الأعلى
و تبعه الاقتصاد الأوروبي حيث بلغ مستوى التضخم ما نسبته 4.0 % في نهاية هذا الربع
و هي النسبة الأعلى في تاريخ أوروبا متأثرا بارتفاع برميل النفط الخام لمستويات فوق
100 دولار للبرميل و في هذا الربع وصل اليورو لأعلى مستويات عند 1.6000 و هذا ما جعل
الطلب الخارجي على المنتجات الأوروبية يقلل متأثر بارتفاع سعر العملة و لكن سعر الفائدة
في هذه الفترة لا يزال عند 4.00 % إذا هذا الربع هو ربع النمو و الذروة.
بدأ الربع الثالث بوصول اليورو لمستويات 1.6040 في حزيران 2009 و هي الأعلى في
تاريخ أوروبا و عندها كان لا يزال معدل التضخم عند 4.0% خلال شهر حزيران حيث في الشهر
نفسه و صل برميل النفط 147.80 دولار و هذا ما دفع البنك المركزي الأوروبي برفع سعر
الفائدة لأعلى معدل في تاريخ المنطقة عند 4.25 % خلال شهر تموز لمواجهة الضغوط التضخمية
و في نفس الفترة ظهرت أزمة الائتمان في أمريكا حيث تراجعت معدلات السيولة بين البنوك
المركزية بشكل ملحوظ و هذا ما سبب أزمة المنازل و الائتمان في أوروبا و هذا لارتفاع
حجم الاستثمارات الأوروبية في الولايات المتحدة
في نهاية شهر تموز بدأ الاقتصاد الأمريكي بالانهيار و تبعه الاقتصاد الأوروبي و لكن
التأثير لم يكن عميق بعد فقد بقيت قراءة الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث عند
ما نسبته -0.2% و بدأ برميل النفط بالانخفاض و تراجعت مستويات التضخم إلى %3.6 و بهذه
الفترة بقيت أسعار الفائدة عالية عند 4.25 % و لم يتم التخفيض و بدأ اليورو بالانخفاض
بشكل ملحوظ. تمتاز الفترة ببداية ارتفاع معدلات البطالة ووصلت إلى 7.5 % متأثرة بتراجع
مستويات الإنتاج الصناعي و الصادرات بالإضافة لتأكل رؤوس الأموال التي قلصت من حجم
الاستثمارات .
في الربع الرابع تعمق الركود الاقتصادي بمنطقة الأوروبية حيث اجتاحت الأزمة الأمريكية
أوروبا بشكل أعمق حيث تراجع الإنتاج الصناعي في ألمانيا إلى مستويات تاريخية و تبعه
في فرنسا و ايطاليا و باقي الدول الأوروبية بسبب تراجع الإنتاج الذي أدى إلى ارتفاع
معدل البطالة إلى 8.2 % بالإضافة لانكماش حاد في معدل الصادرات عند ما نسبته 1.2 %
و انخفض اليورو لمستويات منخفضة الأمر الذي زاد من تقليص حجم الطلب المحلي على المنتجات
الأجنبية، تراجع المستوى العام للأسعار متأثرا بتراجع سعر برميل النفط دون 35 دولار
الذي خفض من معدل التضخم حول مستوى 2.5% خلال شهر كانون الأول و الذي بدوره دفع البنك
المركزي الأوروبي لتخفيض أسعار الفائدة لمستويات تاريخية عند 1.5 % .
مع استمرار الانخفاض في معدلات الإنتاج و ارتفاع معدلات البطالة و تقلص الصادرات و
الواردات بالإضافة لاستمرار الانخفاض في أسعار النفط الخام تعمق وتيرة الانكماش في
الناتج المحلي الإجمالي لتصل لمستويات 2.5% خلال الربع الأول من عام 2009 حيث لم يظهر
تحسن أداء الاقتصاد الأوروبي و بقي أداء الاقتصاد ضعيف و ما يؤكد ذلك تصريحات السيد
تريشيت بأن البنك المركزي الأوروبي لم يصل إلى لأدنى معدل فائدة بالإضافة لتوقعاته
باستمرار الضعف في أداء الاقتصاد الأوروبي في عام 2009 خفض البنك المركزي سعر الفائدة
المرجعي ليصل لمستويات 1.00% الأدنى منذ تأسيس البنك و قام البنك المركزي الأوروبي
بالنهاية باستخدام أداوت تخفيف الكمية غير الاعتيادية لإنعاش الاقتصاد الذي وقع في
أعمق أزمة منذ الحرب العالمية الثانية و بلغت القيمة التي أقرتها المفوضية إلى ما يقارب
60 بليون يورو ، لا يزال اليورو منخفضا و من المتوقع أن يواصل انخفاضه بثبات السعر
تحت مستوى 1.4710 و المتوقع إن ينخفض إلى مستويات عند 1.2220 و 1.2120 و هذا ما يؤكد
التوقعات فبقاء سعر صرف اليورو منخفضا سيبقى الطلب منخفضا متأثرا بالركود الاقتصادي
العالمي.
تاريخ بريطانيا
كساد و الكساد العظيم
إن الاقتصاد البريطاني هو واحد من أعرق الاقتصاديات على المستوى العالمي و بالرغم من
التدهور الاقتصادي الشديد الذي يعنيه في الوقت الحالي إلا أنه كان فيما مضي واحد من
القوي الاقتصادية الصناعية عرفها التاريخ قبيل الحرب العالمية الأولي بجانب الاقتصاد
الألماني الذي يعاني هو أيضاً من تدهور و ضعف شديدين.
لقد كانت بريطانيا تعرف حينها ببريطانيا العظمى, و اكتسبت المملكة المتحدة هذا اللقب
نتيجة للتطور الاقتصادي و الصناعي الكبير الذي كانت تعيشه المملكة المتحدة في ذلك الوقت,
فمع ارتفاع القوى الصناعية و التطورات الكبيرة التي حدثت خلال هذه الفترة شاهدنا بريطانيا
العظمي تعتلي عرش الريادة الصناعية و الاقتصادية متفوقة على نظيرها الألماني.
و لكن مع الأسف حين اندلعت الخلافات بشدة بين أقطاب المنطقة الأوروبية ليجتمع كل من
ألمانيا, النمسا, و إيطاليا ضد بريطاني, روسيا, و فرنسا لتقون بداية الحرب العالمية
الأولي و كان ذلك عام 1914 و مع حلول عام 1918 انتهت الحرب و خرج اكبر قويتين اقتصاديتين
على مستوى العالم من هذه الحرب يعانون من تدهور اقتصادي كبيرة, حيث أن الحرب قد استنفذت
عدد كبير من القوي العاملة في البلاد بالإضافة إلى تضرر مصادر اقتصادية هامة داخل البلاد,
لتنتقل بريطانيا العظمي من الريادة لتصبح دولة مدينة تغطيها الديون.
و يرجع هذا إلى وجود تحديات صناعية شديدة مع ظهور دول صناعية أخري لتناطح بريطانيا
العظمى, بالإضافة على هذا فإن الأنماط و الحدود التجارية التي تكونت عقب الحرب العالمية
الأولي قد جاءت في غير صالح بريطانيا التي أصبحت ضحية لتفقد قوتها كبلد مصدرة و مقر
للتجارة العالمية..
و ظلت المملكة المتحدة في هذه الفوضى العارمة لبعض الوقت حيث انحدرت مستويات المخرجات
الاقتصادية بنسبة 25% ما بين عام 1918 و عام 1921, و تعمقت المملكة المتحدة داخل الركود
الاقتصادي أكثر و أكثر و حتى مع بدأ انتعاشها لم تتمكن من العودة إلى مجدها السابق
و لم تستطيع النهوض بقوة إلا عقب إنهاء الكساد الأعظم الذي سوف نسرد أحداثه على مسامعك
عزيزي القارئ فيما يلي.
لقد كانت بداية الكساد الأعظم من الولايات المتحدة الأمريكية كما هو الحال في وقتنا
الحاضر و أزمة الائتمان العالمية, و كانت الشرارة التي أضمرت النيران في الاقتصاد الأمريكي
و العالمي من بعده هو يوم 29 من تشرين الأول لعام 1929 و هو اليوم الملقب بالثلاثاء
الأسود و الذي انهارت خلاله أسواق الأسهم العالمية بداية بشكل مخيف و حاد بداية من
Wall Street ليمتد أثرها إلى العالم بأثره, و كان الأثر الأكبر على البلدان التي تعتمد
بشكل كبير على القطاع الصناعي..
و حيث أن المملكة المتحدة كانت تركز في ذلك الوقت بقوة على القوة الصناعية فقد كان
الضرر شديد عليها, و حيث أن الحكومة في الوقت الحالي كانت مكونة من عدد من أعضاء حزب
العمال الذين يفتقرون إلى الخبرة في المجالات الاقتصادية التي من شانها مساعدتهم على
حل مثل هذه الأزمات, فقد عجزت الحكومة بشكل عن إيجاد حل لهذه الأزمة الاقتصادية الموحشة.
و مع سقوط الاقتصاد الأمريكي في شراك الركود و الضعف شاهدنا العالم أجمع من حولها يتقلص
أخذاً مستويات التجارة العالمية معه نحو الأسفل بجانب الانخفاض الشديد في الأسعار,
و قد تبني عدد كبير من البلدان حينها سياسات بناء حواجز تجارية و خلق تعريفات من أجل
الحد من الأثر السلب لهذه الأزمة على اقتصاديتها.
لكن مع غياب الخبرة في المملكة المتحدة ظهر التأثير الفوري على القطاع الصناعي, فمع
انحدار مستويات الطلب على البضائع البريطانية و جمود النشاطات الاقتصادية مع الشركاء
التجاريين تعرضت المصانع داخل المملكة المتحدة إلى صفعة قوية و حادة لترتفع مستويات
البطالة مع نهاية عام 1930 من 1 مليون عاطل إلى 2.5 مليون عاطل, كما انحدرت مستويات
الصادرات بنسبة 50% تقريباً لما كانت تواجهه الأسواق العالمية من تدني شديد في مستويات
الطلب..
إن الأحداث و المجريات التي شاهدها الاقتصاد البريطاني في ذلك الوقت هي مجرد صورة للأوضاع
الحالية, حيث انحدرت مستويات النمو بشكل كبير و حاد, و تقلصت مستويات التضخم و مستويات
الدخل الحكومي, و زادة الأعباء بشكل كبير على كاهل الحكومة البريطانية التي كانت عاجزة
بشدة عن إيجاد أي حلول لإخراج الاقتصاد من هذه الأزمة الموحشة.
و مع ارتفاع الضغوط من جميع الجهات قررت الحكومة البريطانية تكوين لجنة للفصل في الأمور
المالية و خاصة الأموال العامة و خلال عام 1931 قررت اللجنة اتخاذ قرارات خفض حادة
في مستويات الرواتب و الإنفاق الحكومي خاصة المتعلقة بنفقات العاطلين عن العمل التي
كانت ارتفعت بشدة في ذلك الوقت, و كان هذا بصدد الحول دون حدوث أي عجز في الميزانية
الخاصة بالحكومة.
الاقتصاد البريطاني في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية 1945-1959
انتهت الحرب العالمية الثانية مخلفةً وراءها دمار هائل في جميع الدول التي اشتركت فيها
حيث تعد تلك الحرب من أكثر الحروب كلفة في التاريخ و التي نتج عنها إزهاق أرواح نحو
2.0% من تعداد سكان الأرض في تلك الفترة أو أكثر من 70.0 مليون مابين عسكري ومدني,
وبالتالي نتج عن تلك الحرب خراب اقتصادي ودمار لمدن بأكملها بالإضافة إلى دمار للبنية
التحتية و الاقتصادية للدول المشاركة, وكانت آثار هذه الحرب ممتدة من أوروبا و البحر
الأبيض المتوسط مروراً بالشرق الأوسط و أفريقيا ووصولا إلى آسيا, لذا كانت من الآثار
السلبية لتلك الحرب هو انهيار الاقتصاد الأوروبي وتدمير أكثر من 70.0% للبنية الصناعية
في تلك المنطقة.
ونتيجة للتكلفة الباهظة لهذه الحرب وما يصاحبها من ضعف اقتصادي للدول المشاركة بها
حيث تحولت الدول الأوروبية المشاركة في هذه الحرب من دول مصدرة ذات زيادة صناعية إلى
دول مستوردة ذات ضعف اقتصادي كبير نتيجة لانهيار البنية التحتية و الصناعية و الاقتصادية
من جراء الحرب هذا بالإضافة إلى اعتماد تلك الدول على القروض و خاصة من الولايات المتحدة
الأمريكية والتي كانت قد تعافت في تلك الفترة من آثار الكساد العظيم وتجمع لدى الولايات
المتحدة نحو 80.0% من احتياطي الذهب العالمي ومن ثم أصبح الدولار الأمريكي عملة عالمية
رئيسية. في الوقت الذي كانت فيه عملات الدول الأوروبية ومنها بريطانيا قد تدهورت بشكل
كبير.
وخرجت بريطانيا من هذه الحرب و التي كانت أحد أهم الدول المشاركة بها, لذا كان الاقتصاد
البريطاني في غاية الضعف و السوء بعد أن كان العملية الاقتصادية موجهة لخدمة أهداف
الدولة أثناء الحرب, حيث استنزفت تلك الحرب جميع الموارد الاقتصادية التي كان يعول
عليها الاقتصاد البريطاني حيث تلاشى نحو ربع الثروة القومية بالإضافة إلى تضاعف حجم
الدين القومي لثلاثة أضعاف.
وعودة سريعة إلى فترة الحرب العالمية الثانية حيث فرضت بريطانيا رقابة على سوق الصرف,
وفي إطار سعي بريطانيا لخوض الحرب قامت الحكومة ببيع كميات كبيرة من احتياطيات الذهب
والدولارات لديها وذلك بهدف الإنفاق على الحرب و شراء المواد الخام و المعدات الصناعية
من الولايات المتحدة الأمريكية, ونتيجة حتمية لأي حرب حدث استنزاف كبير لاحتياطي النقدي
و الذهبي للاقتصاد البريطاني و كادت أن تصبح بريطانيا على حافة الإفلاس.
هنا قامت الولايات المتحدة الأمريكية بدعم الاقتصاد البريطاني عن طريق برنامج تمويلي
أطلق عليه Lend-Leasing و الذي تم تفعيله في أوائل شهر آذار من عام 1941 وبعد شهر واحد
من تفعيل هذه الاتفاقية انحدر حجم الاحتياطي الذهبي والنقدي من الدولارات إلى أدنى
مستوى حيث سجلت نحو 12.0مليون دولار في ذلك الوقت. وبمقتضى هذا البرنامج تقوم الولايات
المتحدة الأمريكية بإقراض بريطانيا المعدات اللازمة التي تحتاجها ومن ثم تقوم بريطانيا
بسداد تلك المعدات فور انتهاء الحرب.
ولكن كان أحد أهم الشروط لتنفيذ ذلك البرنامج التمويلي هو أن تمتنع بريطانيا عن تصدير
أي ما يتعلق بتلك المعدات وكل ما يشمل تلك الصفقة هذا بالإضافة إلى امتناع بريطانيا
عن تصدير أية بضائع أو معدات مشابهة لبنود البرنامج حتى ولو كانت مصنعة محلياً (أي
مصنعة في الأراضي البريطانية) ووافقت بريطانيا على هذه الشروط, الأمر الذي دفع بانحدار
حجم الصادرات البريطانية بحلول عام 1944 بنحو 31.0% ومن ثم أضر ذلك بالاقتصاد البريطاني
و نتج عن هذا البرنامج مشاكل جمة لنمو الاقتصاد البريطاني.
وفور انتهاء الحرب قامت الولايات المتحدة الأمريكية بوقف برنامج Lend-leasing , ومن
ثم قامت الحكومة البريطانية بالتفاوض حول قرض من الولايات المتحدة الأمريكية و الذي
بلغ في ذلك الوقت نحو 2.4$بليون وذلك في محاولة من الحكومة البريطانية لدعم الاقتصاد
المتهاوي بعد فترة الحرب العالمية الثانية.
وفي سبيل الحكومة البريطانية بقيادة حزب العمال لترتيب الأوضاع الاقتصادية من الداخل
قامت بالتحول نحو استخدام الاقتصاد الموجه أو المخطط وذلك عن طريق تأميم الصناعات و
الأنشطة الرئيسية و الهامة في الفترة من 1945-1951, و هو الأمر الذي قوبل بمعارضة من
قبل حزب المحافظين ومنذ أن تولى هذا الحزب قيادة البلاد في عام 1951 قام بخصخصة القطاع
الصناعي بشكل سريع وبحلول عام 1988 أصبح القطاع الصناعي قد تم خصخصته بالكامل.
بينما في فترة تولي حزب العمال قيادة الحكومة 1945-1951 قام الحزب أيضاً ببعض الإجراءات
الأخرى بتضييق حجم الواردات للحد من العجز الحاد في الميزان التجاري وخاصة بعد أن انحدر
احتياطي الذهب و الدولار الأمريكي بشكل كبير هذا من ناحية ومن ناحية أخرى توجيه تشجيع
البريطانيين على شراء السلع المصنعة محلياً بالإضافة العمل على تشجيع الصادرات البريطانية.ولكن
تم تقليل التحكم في حجم الواردات فيما بعد وذلك بحلول عام 1957.
وبهدف دعم الصادرات قام حزب العمل أيضاً في عام 1949 بخفض قيمة الجنيه الإسترليني أمام
الدولار وذلك من 4.03$ إلى 2.80$ في الوقت نفسه سعى رئيس حزب العمال Clement Attlee
إلى التحكم بمستويات الأسعار و الأجور, ونتيجة لانخفاض قيمة الجنيه الإسترليني ارتفعت
أسعار الواردات ومن ثم انخفض حجم الطلب على السلع المستوردة.
أما بالنسبة لمعدل البطالة فقد كان الاقتصاد البريطاني في حالة توظف كامل في فترة الخمسينيات
حيث كانت معدلات البطالة منخفضة وكانت تتراوح مابين مستوى 1.0% و - 1.9% مما أثار المخاوف
بشأن ارتفاع معدلات التضخم بالبلاد بجانب ارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي عقد الخمسينيات من القرن الماضي ارتفع مستوى المعيشة للشعب البريطاني حيث توفرت
العديد من السلع الاستهلاكية و ارتفع إنفاق المستهلكين بنحو 50.0% في تلك الفترة و
ارتفع إنفاق القطاع العائلي على السلع المعمرة مقارنة بالماضي في ضوء ندرة كبير لتلك
السلع, بعد أن ارتفعت مستويات الثقة في الجهود المبذولة لدعم الاقتصاد البريطاني في
فترة ما بعد الحرب.
وأخيرا تحول الاقتصاد البريطاني من اقتصاد صناعي يعتمد التصدير إلى اعتماده على قطاع
الخدمات, وذلك بعد أن تدهور القطاع الصناعي بشكل حاد من جراء الحرب العالمية الثانية,
والذي دفع بالاتجاه إلى القطاع الخدمي للمساعدة على دعم الاقتصاد البريطاني حتى أصبح
القطاع الخدمي يمثل في الوقت الحالي نحو 76.0% من الناتج المحلي الإجمالي و القطاع
الصناعي بنحو 15.0% تقريباً.
أزمة النفط 1973
بدأت أزمة النفط في يوم 17 تشرين الأول عام 1973 أثناء حرب يوم كيبور عندما قام أعضاء
منظمة الدول المصدرة للنفط (الأوبك) بالإعلان عن عدم تصدير منتجات النفط إلى الاقتصاديات
التي تساعد دولة إسرائيل في حربها ضد مصر و سوريا, الأمر الذي يعني عدم وصول أي من
خام النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية و التي موالية لإسرائيل بالإضافة إلى أجزاء
أخرى من دول غرب أوروبا.
وبالرجوع إلى أيام الحرب الستة التي حدثت ما بين إسرائيل ومصر في عام 1967, بعد هذه
الأيام انبثقت عن منظمة الأوبك منظمة جديدة أطلق عليها (OAPEC) أو منظمة الدول العربية
المصدرة للنفط حيث اتخذت تلك المنظمة و التي اتخذت موقف معاد ضد الدول الغربية المساندة
لإسرائيل في حربها ضد الدول العربية, وانضمت كل من مصر و سوريا إلى المنظمة على الرغم
من عدم كونهم دول مصدرة للنفط.
وكانت الدول العربية في ذلك الوقت في حالة غضب شديد من الولايات المتحدة الأمريكية
و دول غرب أوروبا التي كانت تساند إسرائيل في حربها ضد مصر و سوريا, لذا قامت منظمة
الدول العربية المصدرة للنفط (OAPEC) بتعليق أو منع صادراتها من النفط إلى الولايات
المتحدة و دول غرب أوروبا بالإضافة إلى اليابان, ومن ثم أدى ذلك إلى نقص شديد من احتياجات
النفط في تلك الدول في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار الخام بشكل كبير.
وبالعودة مرة أخرى إلى عام 1973 حيث أرادت الدول الأعضاء منظمة الأوبك في رفع أسعار
خام النفط بنحو 100.0% في الوقت الذي كانت فيه العالم يعاني من نقص شديد من إمدادات
خام النفط ومن ثم تحقيق دول المنظمة إلى ربح مرتفع في نفس الوقت, هذا في الوقت الذي
كانت تسعر فيه منتجات خام النفط بالدولار الأمريكي, بينما ارتفعت تضاعفت أسعار الخام
في ذلك الوقت نتيجة لتلك الأزمة و التي شهدت نقص شديد من المعروض أمام ارتفاع كبير
في الطلب على الخام, وبالتالي فإن ارتفاع أسعار الخام على هذا النحو دفعت بارتفاع معدلات
التضخم في بعض الدول.
فيما تأثرت الصادرات من النفط بشدة إلى الولايات المتحدة بينما على جانب آخر كانت كل
من بريطانيا و فرنسا تتلقيان بعض من الإمدادات من الخام في الوقت الذي رفضت فيه تلك
الدولتان الانضمام إلى الولايات المتحدة في دعمها لإسرائيل وذلك برفضهم إمداد إسرائيل
بالمدفعية أو بالطائرات.
إلا أن بريطانيا في عهد رئيس الحكومة Harold Wilson كانت مساندة لإسرائيل في حربها
ضد العرب ولكن غيرت الحكومة سياستها في عهد Ted Heath في عام 1970 عندما طالب Ted Heath
رئيس الحكومة في ذلك الوقت إسرائيل بالتراجع إلى حدود عام 1967.
بينما لم يستطع الاتحاد الأوروبي في ذلك الوقت والذي يضم التسعة دول التي كانت تدعم
إسرائيل في السيطرة على الحرب التي دارت في الشهر الأول منذ حرب يوم كيبور, وأصدر بيان
في اليوم السادس يعلن من تشرين الثاني يعلن انضمامه للموقف البريطاني الفرنسي وذلك
بعدم مساندته لإسرائيل في حربها ضد العرب, ومن ثم انتهت مقاطعة الدول العربية في تصديرها
النفط إلى دول الاتحاد الأوروبي.
وعندما انتهت مقاطعة تصدير النفط من قبل العرب كانت أسعار النفط مرتفعة بشكل كبير في
ذلك الوقت نتيجة لارتفاع مستويات الطلب و انخفاض حجم المعروض في الأسواق, ومن ثم تأثر
الاقتصاد البريطاني بشكل كبير من جراء ذلك حيث كانت بريطانيا في ذلك الوقت اقتصاد صناعي
يعتمد على الصناعة بشكل كبير جدا ونتيجة لنقص الإمدادات من النفط و ارتفاع الأسعار
استمر عمال السكك الحديدة و عمال مناجم الفحم في الإضراب الأمر الذي أدى إلى حدوث أزمة
طاقة في شتاء عام 1973 وعام 1974 و الذي حدث في عهد رئيسة الحكومة السيدة مارجريت تاتشر.
الاقتصاد البريطاني في عهد السيدة مارجريت تاتشر-رئيس وزراء بريطانيا (1979-1990)
تم انتخاب مارجريت تاتشر كرئيس لوزراء بريطانيا أحد اكبر الاقتصاديات العالمية في عام
1979 في الوقت الذي كانت ف |